إن التقدم الذي تخيله فونتنيل كان يتصل أساسا بمجال المعارف العلمية، ولم يخرج بنظرية مقابلة عن التقدم الاجتماعي والسياسي. أما أبو الفكرة الحديثة عن التقدم الاجتماعي فهو ماكيافيلي، حيث إنه هو الذي اقترح تحرير السياسية من القيود الأخلاقية التي فرضتها عليها الفلسفة الكلاسيكية، ودعا الإنسان الى مغالبة القدر. وثمة نظريات أخرى عن التقدم عرضها كتاب من عصر التنوير مثل فولتير، والعلماء الموسوعيين (الانسيكلوبيديين) الفرنسيين، والاقتصادي ترجو، وصديقه وكاتب سيرته كوندورسيه. وقد حوى كتاب كوندورسيه، تقدم العقل البشري تاريخا عالميا للإنسانية من عشر مراحل، اخرها. وهي مرحلة لم تبلغها بعد. تتميز بالمساواة في الفرص، والحرية، والعقلانية، والديموقراطية، والتعليم العام (9) . وقد حذا كوندورسيه حذو فونتنيل فلم يعين حدودا لما يمكن للبشر تحقيقه من كمال. ومعنى ذلك أن ثمة احتمالا لوجود مرحلة حادية عشرة للتاريخ لا علم للإنسان الان بكنهها.
غير أن أكثر المحاولات جدية لكتابة تاريخ عالمي جاءت من قبل المثاليين الألمان. وقد اقترح الفكرة الفيلسوف العظيم ايمانويل كانط في مقال كتبه عام 1784 بعنوان: محاولة لكتابة تاريخ عالمي من وجهة نظر عالمية. ورغم أن هذا المقال لا يتجاوز ست عشرة صفحة، فقد وضع الأسس التي قامت عليها فيما بعد كافة محاولات كتابة تاريخ عالمي (10) .
وقد كان كانط مدركا تماما لحقيقة أن هذا المسار الأبله لأمور البشر. يبدو على السطح وكأنه خال من أي نمط معين، وأن التاريخ البشري يبدو وكأنه مجرد سجل لحروب ووحشية مستمرة. ومع ذلك فهو يتساءل عما إذا كان ثمة حركة منتظمة في تاريخ الإنسانية، بحيث أن ما يبدو من وجهة نظر فرد واحد، حالة من الفوضى، قد يكشف عن تطور بطئ مطرد عبر حقبة طويلة من الزمن. ويصدق هذا بالذات على تطور العقل الإنساني، فليس هناك، مثلا، فرد واحد يمكنه أن يتوقع اكتشاف قوانين الرياضيات كلها. بيد أن الطابع التراكمي للمعارف الرياضية يسمح لكل جيل بأن يبني على أساس إنجازات الأجيال السابقة (11) .
وقد ذهب كانط إلى أن التاريخ ستكون له نهاية، أي هدف نهائي توحي به الامكانيات الراهنة عند الإنسان، ويفسر لنا التاريخ كله. هذه النقطة النهائية هي تحقيق الحرية الإنسانية .. ذلك أن المجتمع الذي ترتبط فيه الحرية الخاضعة لقوانين خارجية ارتباطا وثيقا بقوة لا تقهر، (كدستور مدني كامل العدالة) ، هو أسمى معضلة كلفت الطبيعة الجنس البشري بحلها .. والتوصل الى مثل هذا الدستور المدني العادل، وكذا تعميمه على جميع بلدان العالم، سيكونان المعيار الذي يتيح لذا فهم التقدم في التاريخ، والذي يمكننا من النهوض بذلك الجهد الضخم من التجريد الذي يتطلبه الفصل بين ماهو جوهري في هذا التطور وبين تلك المجموعة الضخمة من الحقائق عن أحداث تشكل المادة الخام للتاريخ، والسؤال الذي ينبغي أن يجيب التاريخ العالمي عنه هو: ما إذا كان بوسعنا (متى أختنا في الاعتبار كافة المجتمعات وكافة العصور) أن نتبين سببا يدعونا إلى توقع حدوث تقدم عام للبشرية صوب حكومة جمهورية، أي صوب ما نسميه اليوم بالديموقراطية الليبرالية) (12) .