الصفحة 132 من 376

كذلك حدد كانط، بعبارات عامة، معالم الالية التي سينتقل الإنسان بمقتضاها إلى مستوى أرفع من العقلانية تمثله المؤسسات الليبرالية. هذه الالية ليست هي العقل، بل هي نقيض العقل: إنه التطاحن الأناني الناجم عن انزعة الإنسان للاجتماع التي تتسم بطابع غير اجتماعي،، وهو ما أدى بالناس الى هجر حروب الكل ضد الكل، والاشتراك معا في إقامة مجتمعات مدنية، ثم تشجيعهم للفنون والعلوم حتى تظل تلك المجتمعات في حال من التنافس فيما بينها. فغرور الإنسان، وروحه التنافسية، ورغبته في السيطرة والحكم، هي بالضبط ينابيع الروح الخلاقة في المجتمع التي تضمن تحقيق إمكانات و غير قائمة في ظل الحياة الرعوية ..

لم تكن مقالة كانط في حد ذاتها تاريخا عالميا. لقد كان الفيلسوف وقت أن كتبها في الستين من عمره، واقتصر فيها على الاشارة الى حاجتنا إلى كبلر جديد، أو نيوتن جديد، يفسر القوانين العالمية لتطور تاريخ البشرية. وذكر كانط أن العبقري الذي يأخذ على عاتقه مهمة كتابة مثل هذا التاريخ، ينبغي أن يكون فيلسوفا قادرا على إدراك المهم من الشؤون الإنسانية، ومؤرخا قادرا على تمثل تاريخ كل العصور وكل الشعوب في وحدة واحدة ذات معنى، وعليه أن يتتبع و تأثير التاريخ اليوناني في بناء الدولة الرومانية التي أبتلعت اليونان والأخطاء التي حدثت في هذا البناء، ثم التأثير الروماني في البرابرة الذين هدموا الدولة الرومانية بدورهم، وهلم جرا حتى نصل إلى عصرنا، فإن أضفنا أحداثا من التواريخ القومية للشعوب المستنيرة، أمكننا اكتشاف تقدم منتظم في تكوين الدول في قارتنا (وهي التي من المحتمل أن تفرض مسيرتها فيما بعد على كل ما عداها) . فالقصة هي قصة تدمير متتال للحضارات، غير أن كل إطاحة استبقت شيئا من المرحلة السابقة مما يمهد بالتالي الطريق لمستوى أعلى من الحياة. ثم ينتهي كانط بقوله في تواضع إن مهمة كتابة هذا التاريخ أكبر من قدراته، غير أن النجاح في النهوض بها من شأنه أن يسهم في تحقيق حكومة جمهورية عالمية حيث إنها ستوفر للإنسان مفهوما واضحا عن مستقبله (13) .

وفي الجيل التالى لوفاة كانط، نهض خليفته جورج فيلهلم فريدريك هيجل بمهمة إنجاز مشروع كانط لكتابة تاريخ عالمي هو في آن واحد جاد فلسفيا، وقائم على دراية عظيمة بأحداث التواريخ القومية، ولم يتمتع هيجل أبدا بسمعة طيبة في العالم الأنجلوساكسوني حيث اتهم بأنه مدافع رجعي عن الملكية البروسية، ومبشر بالأنظمة الشمولية في القرن العشرين، وبأنه. وهو أسوأ ما في الأمر من وجهة النظر الانجليزية. مفكر ميتافيزيقى تصعب قراءته (14) . وقد أعمى هذا التعصب ضد هيجل الناس عن أهميته باعتباره أحد الفلاسفة الذين أسهموا في تشكيل العالم الحديث. وسواء اعترفنا أم لم نعترف بديننا له، فإننا ندين له بأهم وأخطر مظاهر وعبنا في عالم اليوم.

والمدى الذي تمكن به نظام هيجل من تحقيق كافة شروط اقتراح كانط الخاص بكتابة تاريخ عالمي، سواء من حيث الصورة أو المادة، جدير بالاعجاب (19) . وقد حذا هيجل حذو كانط فعرف مشروعه بأنه كتابة تاريخ عالمي، يبين تجلي الروح (أي الوعى الإنساني الجماعي) وهي في سبيل معرفة طبيعتها الكامنة (16) . وقد سعى هيجل إلى ايضاح، العناصر الطبية في مختلف الدول والحضارات في التاريخ، والأسباب التي أدت في النهاية إلى الإطاحة بها، وا بذرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت