الصفحة 278 من 376

وذلك أن كل إنسان يسعى إلى أن يقيمه زميله كتقييمه لنفسه. فإن بدرت من زميله بادرة تشير إلى احتقاره أو الانتقاص من قدره، كان من الطبيعي أن يحاول، بقدر ما تواتيه الجرأة، أن ينتزع أكبر قدر من التقدير ممن ناصبوه الاحتقار، عن طريق إيذائهم، ومن الآخرين بجعلهم عبرة لهم ..

توماس هوبز و الوحش البحري المخيف , (1) .

لم تظهر الديموقراطيات الليبرالية المعاصرة من خلال ضباب التقاليد، وإنما خلقها البشر عامدين (شأن المجتمعات الشيوعية) عند نقطة معينة من التاريخ، على أساس فهم نظري معين للإنسان وللمؤسسات السياسية المناسبة التي ينبغي أن تحكم المجتمعات البشرية، ورغم أنه ليس بوسع الديموقراطية الليبرالية أن تحدد بداياتها النظرية فتشير إلى مفكر مفرد مثل کارل مارکس، فهي تزعم أنها ترتكز على مبادئ عقلانية مميزة يمكننا بسهولة تحديد جذورها الفكرية الغنية العديدة.

مبادئ الديموقراطية الأمريكية مثلا التي قتلها إعلان الاستقلال والدستور، قامت على أساس كتابات جفرسون وماديسون وهاملتون وغيرهم من الأباء المؤسسين الأمريكيين الذين يدينون بدورهم بالكثير من أرائهم للفكر الليبرالي الإنجليزي عند توماس هوبز وجون لوك. والواقع أننا نحتاج إلى النظر في كتابات هويز ولوك السياسية متى أردنا الكشف عن مفهوم أعرق الديموقراطيات الليبرالية في العالم، وهو مفهوم تبناه الكثير من المجتمعات الديموقراطية خارج أمريكا الشمالية. فرغم أن هذين المؤلفين قد سبقا هيجل في الكثير من افتراضاته الخاصة بطبيعة، الإنسان الأول،، فإن موقفهما وموقف المفكرين الليبراليين الأنجلوساكسونيين المتأثرين بهما من موضوع الرغبة في نيل الاعتراف يختلف اختلافا كبيرا عن موقف هيجل.

إن توماس هوبز معروف لدينا اليوم بأمرين: وصفه لإنسان الطبيعة بأنه وحيد فقير قميء متوحش قصير العمر، ونظريته عن سيادة الملكية المطلقة التي كثيرا ما يقارنها الناس بتأكيد لوك الأكثر ليبرالية الحق في الثورة ضد الاستبداد. غير أن هويز، بالرغم من أنه لم يكن ديموقراطية بالمعنى المعاصر الكلمة، إلا أنه كان بالقطع ليبرالية، وكانت فلسفته منبع الليبرالية الحديثة، فهو أول من نادي بمبدأ انبثاق شرعية الحكومة عن حقوق المحكومين لا عن حق الملوك الإلهي أو عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت