الصفحة 276 من 376

فحسب، وإنما يسعي كذلك إلى كسب الاعتراف والتقدير، ويحسب أنه جدير بالاحترام لأنه يتمتع بقيمة أو كرامة معينة، فإن لم يراع علم النفس أو علم السياسة رغبة الإنسان في كسب الاعتراف والتقدير واستعداده الملحوظ - وإن لم يكن كثير الحدوث - للتصرف أحيانا بما يخالف أقوى الغرائز الطبيعية، فإنما هو يتجاهل أمر بالغ الأهمية بصدد السلوك البشري.

والحرية عند هيجل ليست مجرد ظاهرة سيكلوجية، وإنما هي جوهر كل ما هو إنساني حقا. ولذا فإن الحرية والطبيعة على طرفي نقيض. ولا تعني الحرية حرية العيش في الطبيعة أو وفق قوانين الطبيعة، وإنما تبدأ الحرية من حيث تنتهي الطبيعة، ولا تظهر الحرية البشرية إلا حين يكون بوسع الإنسان أن يتجاوز وجوده الطبيعي والحيواني، وأن يخلق لنفسه ذاتين جديدة. أما عن نقطة البداية في هذا المسار نحو خلق الذات، فهو الصراع حتى الموت من أجل المنزلة الخالصة.

ومع أن هذا الصراع من أجل نيل الاعتراف و التقدير هو أول عمل إنساني حقيقي، فهو حتما ليس بالأخير، فالمعركة الدموية بين البشر الأول هي مجرد نقطة البداية بالنسبة للجدلية الهيجلية، وهي تترك أمامنا شوطا بعيدة صوب الديموقراطية الليبرالية الحديثة. ويمكن النظر إلى مشكلة التاريخ الإنساني - على نحو ما - باعتبارها بحثا عن وسيلة لإشباع الرغبة لدى السادة والعبيد على السواء في نيل الاعتراف على أساس متبادل ومتكافيء، وإنما ينتهي التاريخ حين يتحقق النصر لنظام اجتماعي يؤدي هذه المهمة.

وقد يكون من المفيد قبل وصف المراحل التالية من تطور الدياليكتيكية، أن نعقد مقارنة بين وصف هيجل للإنسان الأول في حالته الطبيعية، ووصف مؤسسي الليبرالية الحديثة، هوبز ولوك. فرغم تشابه نقطتي البداية والنهاية عند هيجل مع نقطتي البداية والنهاية عند هذين المفكرين الإنجليزيين، فإن مفهوم هيجل عن الإنسان يختلف اختلافا جوهرية عن مفهومهما، ويزودنا بنظرة مختلفة تماما للديموقراطية الليبرالية المعاصرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت