فالديموقراطية الليبرالية تبدل الرغبة غير العقلانية في الاعتراف بالدولة أو بالفرد، باعتبار أيهما أعظم من الآخرين، وتحل محلها رغبة عقلانية في الاعتراف على أساس من المساواة. والعالم الذي تكون كل الدول فيه ديموقراطيات ليبرالية، سيقل فيه حتما الحافز إلى الحرب حيث إن كل الدول ستتبادل الاعتراف بشرعية الدول الأخرى. والواقع أن ثمة دلائل عملية قيمة شهدها القرنان الماضيان على أن الديموقراطيات الليبرالية لا يسلك بعضها تجاه البعض الآخر سلوكا امبرياليا وإن كانت قادرة تماما على الدخول في حروب مع دول غير ديموقراطية لا تشترك معها في القيم الأساسية. وها نحن نرى القومية الأن تنمو في مناطق مثل اوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي،
حيث ظلت شعوبها مدة طويلة محرومة من ممارسة هويتها القومية. ومع ذلك فإنه في إطار أعرق القوميات في العالم وأكثرها أمنا، نجد القومية تمر بتحولات هامة , فالمطالبة بالاعتراف القومي في أوروبا الغربية قد تم استئناسها وجعلها متماشية مع الاعتراف العام، كما حدث بصدد الدين منذ ثلاثة قرون أو أربعة.
ويتعرض الجزء الخامس والأخير من هذا الكتاب لموضوع، نهاية التاريخ،، والمخلوق الذي سيظهر في نهاية المطاف، أي: خاتم البشر .. وقد حدث خلال الجيل الأول حول مقالي في مجلة The National Interest ، أن افترض الكثيرون أن احتمال انتهاء التاريخ يدور حول مسألة ما إذا كان ثمة بدائل معقولة تراها في عالم اليوم للديموقراطية الليبرالية. وقد ثار جدل واسع النطاق بشأن أسئلة مثل ما إذا كانت الشيوعية قد ماتت حقا، وما إذا كان ثمة احتمال لعودة الدين أو المذاهب القومية الفاشية، وأسئلة أخرى من هذا القبيل. غير أن السؤال الأصعب و الأعمق إنما يتصل بصلاحية الديموقراطية الليبرالية ذاتها وليس فقط باحتمال انتصارها على منافسيها في عالم اليوم، فعلى فرض أن الديموقراطية الليبرالية أصبحت الآن آمنة من خطر أعدائها في الخارج، فهل بوسعنا أن نفترض إمكان استمرار المجتمعات الديموقراطية الناجحة على حالها إلى الأبد؟ أم أن الديموقراطية الليبرالية فريسة تناقضات داخلية هي من الخطورة بحيث يمكن في النهاية أن تزعزع من دعائمها كنظام سياسي؟ ما من شك في أن الديموقراطيات المعاصرة تجابه عددا من المشكلات الكبيرة، كالمخدرات، والتشرد، والجريمة، وتدمير البيئة، وتفاهة المجتمع الذي تسوده النزعة الاستهلاكية، غير أن هذه المشكلات لا يمكن التدليل على أنه من المستحيل التصدي لها بالعلاج على أساس من المباديء الليبرالية، ولا هي من الخطورة بحيث يمكن القول بأنها ستؤدي بالضرورة إلى انهيار المجتمع ككل، كما انهارت الشيوعية في عقد الثمانينات.
لقد كتب الكسندر كوجيف في القرن العشرين، وهو أعظم شراح فلسفة هيجل، يؤكد في صلابة أن التاريخ قد انتهى لأن ما أسماه بالدولة العامة والمتجانسة (وهو ما نفهمه على أنه الديموقراطية الليبرالية) قد أوجدت حلا قاطعا لمسألة الاعتراف بالمنزلة إذ أحلت به مكان علاقة السادة بالعبيد اعترافا يعم البشرية ويقوم على أساس المساواة. فالهدف الذي ظل الانسان يسعى إليه طوال تاريخه والذي كان يحرك المراحل الأولى من التاريخ، هو الاعتراف به، وقد وصل إلى هذا الهدف في النهاية في عالمنا الحديث مما أرضاه و إرضاء كاملا. وقد كان كوجيف جادا في زعمه هذا، وهو زعم جدير بأن نأخذه على نحو جاد. ذلك أنه بإمكاننا أن نفهم مشكلة السياسة عبر الاف السنين