الصفحة 30 من 376

أساس من اللغة أو الثقافة أو العرق، وهذان الشكلان من الاعتراف أقل عقلانية من الاعتراف العالمي بالدولة الليبرالية لأنهما يقومان على تمييز تحكمي بين الديني والدنيوي، أو بين جماعات اجتماعية بشرية. ولهذا فإن الدين والقومية ومجموعة العادات والتقاليد الأخلاقية المعقدة (وهي والثقافة، بمعنى أوسع) كانت في العادة تفسر على أنها عقبات في سبيل إرساء دعائم نظم سياسية ديموقراطية ناجحة، واقتصاديات السوق الحرة.

غير أن الحقيقة أكثر تعقيدا من هذا بكثير. فنجاح السياسات الليبرالية والاقتصادات الليبرالية، يستند عادة إلى أشكال غير منطقية من أشكال الاعتراف التي يفترض أن الليبرالية تهدف إلى الإطاحة بها. فلكي تنجح الديموقراطية يحتاج المواطنون إلى اعتزاز غير منطقي بمؤسساتهم الديموقراطية، وإلى تطوير ما يسميه توكفيل بفن الاجتماع القائم على الاعتزاز بالانتماء إلى جماعات صغيرة، هذه الجماعات تتخذ لها عادة أساسا من الدين، أو العرق، أو أشكال أخرى من الاعتراف هي دون الاعتراف الشامل الذي تقوم عليه الدولة الليبرالية. وينطبق هذا أيضا على الاقتصاد الليبرالي. فالتراث الاقتصادي الليبرالي الغربي اعتاد تقليديا النظر إلى العمل باعتباره نشاطا بغيضا في جوهره، ينهض به العامل في سبيل إشباع رغبات إنسانية وتخفيف الألم الانساني. بيد أنه في ثقافات أخرى ذات أخلاقيات عمل قوية، كأخلاقيات منظمي المشروعات التجارية البروتستانت الذين أسسوا الرأسمالية الأوروبية، أو أخلاقيات الصفوة التي أسهمت في تحديث اليابان بعد عودة أسرة الميجي إلى الحكم، كان الناس ينهضون بعملهم أيضا من أجل نيل الاعتراف والتقدير. ومازال الكثير من الدول الاسيوية إلى اليوم تعرف أخلاقيات عمل ليست قائمة على الحوافز المادية بقدر ما تقوم على الاعتراف الذي توفره للعمل الطوائف الاجتماعية المتشابكة التي هي أساس هذه المجتمعات، من الأسرة إلى الأمة. وفي هذا ما يوحي بأن الاقتصاد الليبرالي لا يعتمد في نجاحه على مجرد المباديء الليبرالية، وإنما يتطلب هذا النجاح أيضا أشكالا غير عقلانية مما يسمي، الثيموس.

ان الصراع من أجل الحصول على الاعتراف والتقدير يتيح لنا نظرة أعمق في طبيعة السياسات الدولية. فالرغبة في الاعتراف التي أدت إلى المعركة الدموية الأصلية من أجل المنزلة بين شخصين متحاربين، تؤدي منطقيا إلى الإمبريالية والإمبراطورية العالمية، والعلاقة بين السادة والعبيد على المستوى المحلي تتكرر بالضرورة على مستوى الدول حيث تسعى الأمم بوجه عام إلى نيل الاعتراف وتنخرط في معارك دموية لفرض السيطرة. وقد ظلت القومية، وهي شكل حديث من أشكال الاعتراف ليس كامل العقلانية، طوال المائة سنة الأخيرة أداة للصراع من أجل الاعتراف، ومصدرا لأعنف الصراعات التي شهدها هذا القرن. وهذا هو عالم، سياسة القوة و الذي وصفه خبراء السياسة الخارجية , الواقعيون، من أمثال هنري كيسنجر.

بيد أنه إذا كان الحافز الى الحرب يتمثل أساسا في رغبة الحصول على الاعتراف والتقدير، فمن المقبول منطقيا القول بأن الثورة الليبرالية التي تلغي العلاقة بين السادة والعبيد بتحويلها عبيد الماضي إلى سادة أنفسهم، سيكون لها بالضرورة تأثير مماثل في العلاقات بين الدول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت