الصفحة 28 من 376

هذا الفهم من جانب هيجل لمعنى الديموقراطية الليبرالية المعاصرة يختلف على نحو مهم عن الفهم الأنجلو سكسوني الذي كان يشكل الأساس النظري لليبرالية في أقطار مثل بريطانيا والولايات المتحدة، ففي تراث الأنجلوسكسونيين يحتل هذا السعي إلى نيل الاعتراف والتقدير مرتبة أدتي من، الصالح الشخصي المستنير؛ (أي الرغبة المقترنة بالعقل) ، وبالأخص تلك الرغبة في الحفاظ على الجسد وحمايته، ففي حين كان هوبز ولوك والاباء المؤسسون الأمريكيون من أمثال جفرسون وماديسون يعتقدون أن الحقوق هي، إلى حد بعيد، وسيلة لحماية مجال خاص يستطيع الناس فيه أن يحققوا الثراء لأنفسهم وأن يشبعوا قوى الشهرة من أرواحهم (3) ، كان هيجل پري في الحقوق غابات في حد ذاتها، حيث إن ما يرضى البشر حقا ليس الرخاء المادي بقدر ما يرضيهم الاعتراف بوضعهم وكرامتهم. وقد أكد هيجل أن التاريخ قد وصل إلى نهايته بقيام الثورتين الأمريكية والفرنسية بالنظر إلى أن هذا النضال من أجل الاعتراف الذي كان يحرك عملية التحول التاريخي، قد حقق مراده في مجتمع يتميز بالاعتراف المتبادل والشامل. ونظرا لأنه ليس هناك ترتيب أخر للمؤسسات الاجتماعية الانسانية يمكنه أن يشبع هذه الحاجة على نحو أفضل، فليس بالإمكان حدوث المزيد من التحولات التاريخية بعد الان.

فالحاجة إلى الاعتراف والتقدير إذن يمكن أن تكون الحلقة المفقودة بين الاقتصاد الليبرالي والسياسة الليبرالية، وهي الحلقة التي افتقدناها في عرضنا الاقتصادي للتاريخ في الجزء الثاني من الكتاب، فالرغبة والعقل يكفيان معا لتفسير عملية التصنيع وتفسير جوانب كثيرة من الحياة الاقتصادية بوجه أعم. غير أنهما لا يستطيعان أن يفسرا النضال من أجل الديموقراطية الليبرالية الناشئ عن الثيموس، أو ذلك الجانب من الروح الذي يتطلب الاعتراف والتقدير، فالتغيرات الاجتماعية التي تواكب التصنيع المتقدم. خاصة التعليم العام - يبدو أنها تطلق من عقالها مطالبة معينة بالاعتراف لم تكن قائمة لدى الفقراء والأميين. وإذا ما ارتفع مستوى المعيشة ومستوى التعليم وأصبح تفكير الناس عالميا، وغدا في المجتمع قدر أكبر من المساواة، يشرع الناس في المطالبة لا بمزيد من الثروة فحسب، وإنما أيضا بمزيد من الاعتراف بمركزهم، ولو أن الناس تتحكم فيهم الرغبة والعقل وحدهما لرضوا بالحياة في ظل دول شمولية تراعي قوانين السوق، كأسبانيا في عهد فرانكو، وكوريا الجنوبية والبرازيل في عهود الحكم العسكري. غير أن الناس لديهم اعتداد يقيمتهم الذاتية، وهو اعتداد نابع من الثيموس، وهو ما يدفعهم إلى المطالبة بحكومات ديموقراطية تعاملهم معاملة الراشدين لا معاملة الأطفال، وتعترف باستقلالهم باعتبارهم افرادا أحرارا، وقد تغلبت الديموقراطية الليبرالية على الشيوعية في زمننا هذا بسبب إدراك حقيقة أن الشيوعية لا توفر غير شكل معيب جدا من أشكال الإقرار الناس بقدرهم.

إن إدراك أهمية الرغبة في الاعتراف والتقدير باعتبارها محركا للتاريخ، يتيح لنا إعادة تفسير الكثير من الظواهر التي تبدو مع ذلك مألوفة لدينا، كالثقافة، والدين، والعمل، والقومية والحرب، وما الجزء الرابع من الكتاب غير محاولة في هذا السبيل، وكذا لبيان الأشكال المختلفة التي ستبدو بها هذه الرغبة في الاعتراف في المستقبل. فالمؤمن المتدين مثلا يسعى إلى اعتراف الناس بالهئه أو ممارساته الدينية المقدسة، بينما يطالب الوطني بالاعتراف بجماعته القائمة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت