الصفحة 26 من 376

وما يسميه الثيموس (thymos) أي: الهمة والشجاعة، أو، القوة الغضبية .. ويمكن تفسير الكثير من مطاهر السلوك البشري بأنه امتزاج بين القوتين الأوليين: الشهوة والعقل. فالشهوة تدفع الناس إلى السعي من أجل الحصول على أشياء خارجهم، في حين يبين لهم العقل (أو التقدير الواعي) أفضل السبل للحصول على هذه الأشياء. غير أن هناك أيضا سعيا من جانب البشر الى نيل الاعتراف بقدرهم، أو الاعتراف بقدر الاشخاص أو الأشياء أو المبادئ التي يرون لها قدرا كبيرا، هذا الميل إلى إضفاء قيمة معينة على الذات، وإلى مطالبة الغير بالاعتراف بهذه القيمة، هو ما يسمى اليوم في الاستعمال اللغوي الشائع، بعزة النفس .. وينشأ هذا الميل إلى الأحساس بعزة النفس عن ذلك الجانب من الروح المسمى بالثيموس، وهو أشبه بحس انساني فطرى بالعدالة. فالناس تعتقد أن لها قدرا معينا، فإن عاملهم آخرون على أنهم أقل قدرا مما يظنون، غلبت عليهم عاطفة الغضب. كذلك فإنه إن فشل البعض في أن يحيوا حياة تتفق مع إحساسهم بقدر هم، غلب عليهم الاحساس بالخجل. وإن هم لقوا من الغير تقييما صحيحا يتناسب مع قدرهم أحسوا بالفخر. فالرغبة إذن في نيل الاعتراف والتقدير وما يصاحب هذه الرغبة من مشاعر الغضب والخجل والفخر، هي جوانب من جوانب الشخصية الإنسانية بالغة الأهمية في مجال الحياة السياسية، وهي عند هيجل المحرك لعملية التاريخ بأسرها.

ويشرح وجل كيف أن رغبة الانسان في نيل التقدير والاعتراف به ككائن بشرى له كرامته، قد زجت به في فجر التاريخ في معركة دموية مصرية من أجل المنزلة، وكانت نتيجة هذه المعركة هي تقسيم المجتمع الانساني إلى طبقة من السادة على استعداد للمخاطرة بحياتهم، وطبقة من العبيد استسلموا لمشاعر الخوف الطبيعي من الموت. غير أن العلاقة بين السادة و العبيد (وهي التي اتخذت أشكالا متنوعة كثيرة في كافة المجتمعات الأرستوقراطية غير المتكافئة التي تميز بها القدر الأكبر من تاريخ البشرية) فشلت في نهاية الأمر في إشباع الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير لدى السادة و العبيد على حد سواء. فالعبد بطبيعة الحال لم يكن معترفا به بأي شكل من الأشكال كائنا بشريا. غير أن الاعتراف الذي كان يحظى به السيد كان ناقصا أيضا. إذ لم يكن يعترف به السادة الأخرون، و إنما فقط العبيد الذين لم تكن انسانيتهم قد اكتملت بعد. وكان أن أصبح هذا الشعور بعدم الرضا بالاعتراف المعيب القائم في المجتمعات الأرستوقراطية يمثل حالة و التناقض و التي تولدت عنها مراحل جديدة من التاريخ.

وفي رأي هيجل أن «التناقض، المتأصل في العلاقة بين السادة و العبيد أمكن التغلب عليه في نهاية المطاف نتيجة الثورة الفرنسية، وكذا. في رأينا. الثورة الأمريكية. ذلك أن هاتين الثورتين الديموقراطيتين ألغينا التمييز بين السيد والعبد بأن جعلنا عبيد الماضي سادة أنفسهم، ورسختا مبادئ السيادة الشعبية وسيادة القانون. وقد حل محل الاعتراف غير المتكافيء أصلا في العلاقة بين السادة و العبيد، اعتراف شامل متبادل بحيث أضحى كل مواطن على استعداد للاعتراف بكرامة و انسانية كل مواطن آخر، وأضحت الدولة بدورها تعترف بهذه الكرامة من خلال كفالة , الحقوق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت