لذلك فإن نجاح محاولتنا الأولى لتحديد الأساس الذي تقوم عليه فكرة غائية التاريخ، هو نجاح جزئي فحسب. فما أسميناه، بمنطق العلوم الطبيعية الحديثة، هو في الواقع تفسير اقتصادي للتحول التاريخي، وهو تفسير يخالف التفسير الماركسي بقوله إن هذا التحول ماله النهائي إلى الرأسمالية لا إلى الاشتراكية. وبوسع منطق العلم الحديث أن يفسر الكثير من أمور عالمنا، مثل السبب في أن معظم سكان الدول الديموقراطية المتقدمة موظفون مكتبيون وليسوا فلاحين يقتاتون من عملهم في الأراضي الزراعية؛ أو السبب في أنهم يميلون إلى الانخراط في نقابات عمالية أو منظمات مهنية دون الانتماء إلى قبائل أو عشائر؛ أو السبب في أنهم يطيعون توجيهات رؤساء بيروقراطيين دون القساوسة والكهنة؛ أو السبب في أنهم يحسنون القراءة و الكتابة ويتكلمون لغة قومية مشتركة.
غير أن التفسيرات الاقتصادية للتاريخ ناقصة و غير مرضية بالنظر إلى أن الإنسان ليس مجرد حيوان اقتصادي. والأهم من ذلك، أن مثل هذه التفسيرات لا يمكنها حقيقة أن تفسر سبب إيماننا بالديموقراطية، أي بمبدأ سيادة الشعب وبسرورة ضمان الحريات الأساسية في ظل سيادة القانون. ولهذا فإن الكتاب يتحول في الجزء الثالث إلى عرض ثان تاريخي مواز للعرض الأول، في محاولة التصوير الإنسان من مختلف جوانبه لا من الجانب الاقتصادي وحده. وهو ما سيضطرنا إلى العودة إلى هيجل وإلى نظريته غير المادية في التاريخ القائمة على أساس، الصراع من أجل نيل التقدير والاحترام.
ففي رأي هيجل أن الكائنات البشرية. شأنها في ذلك شأن الحيوانات. لديها احتياجات طبيعية وتطلعات إلى أشياء خارجها، كالطعام والشراب والمأوى، ثم فوق كل شيء، إلى حماية أجسامها. غير أن الإنسان يختلف اختلافا أساسيا عن الحيوان من حيث أنه علاوة على ما سبق، و يرغب ا ويتطلع إلى، رغبة، الآخرين، أي أنه يريد منهم الاعتراف به وتقديره. إنه يريد أولا وأساسا أن يعترف الغير به، كائنا بشريا،، كائنا له قدره أو كرامته. ويتصل هذا في المقام الأول باستعداده للمخاطرة بحياته في صراع من أجل المنزلة المجردة. ذلك أن الإنسان هو وحده القادر على التغلب على أكثر غرائزه الأساسية حيوانية، وأهمها غريزة حب البقاء، في سبيل مباديء وأهداف أرفي وأكثر تجريدا. ويذهب هيجل إلى أن الرغبة في نيل الاعتراف هي التي كانت تدفع أي متصارعين بدائيين في قديم الزمان إلى المخاطرة بحياتيهما بالدخول في عراك حتى الموت، حيث إن كلا منهما يسعى إلى نيل اعتراف الأخر بأدميته. فإن حدث وأدى الخوف الطبيعي من الموت بأحد المنصار عين إلى الخضوع والإذعان، نشأت علاقة السيد بالعبد. فالمخاطرة في هذه المعركة الدموية في فجر التاريخ ليست مخاطرة بالطعام أو المأوى أو الاحساس بالأمن، بل هي مخاطرة من أجل المنزلة المحضة، وحيث إن الهدف من المعركة لا تحدده اعتبارات بيولوجية، فإن هيجل يرى فيها أول بوادر الحرية الانسانية.
قد تبدو الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير لأول وهلة فكرة غير مألوفة، ومع ذلك فهي قديمة قدم تاريخ الفلسفة السياسية الغربية، وتشكل جانبا مألوفا تماما من الشخصية الانسانية. وقد جاء أول وصف لها في جمهورية أفلاطون، إذ أشار إلى أن للروح ثلاث قوى: الشهوة، والعقل،