غموض تأثيره النهائي في سعادة البشر. فالسيطرة المتواصلة المتنامية على الطبيعة التي أتاحها تطوير الأساليب العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كانت تتم دوما وفق قواعد محددة معينة ليست من صنع البشر وإنما من صنع الطبيعة وقوانين الطبيعة.
وقد كان لنمو العلوم الطبيعية الحديثة نفس التأثير في كافة المجتمعات التي شهدته، وذلك السببين، الأول: أن التكنولوجيا توفر للبلاد التي تملكها تفوقا عسكريا حاسما. ومع استمرار احتمال اللجوء إلى الحرب في النظام الدولي، فإنه ما من دولة ضنينة باستقلالها حريصة عليه بوسعها أن تتجاهل الحاجة إلى تحديث نظمها الدفاعية. والثاني: أن العلوم الطبيعية الحديثة تخلق آفاقا متجانسة من إمكانات الإنتاج الاقتصادي. فالتكنولوجيا تتيح إمكانية تراكم الثروة بغير حدود، وتتيح بالتالي إمكانية إشباع قدر متزايد دوما من الرغبات الإنسانية، ولا شك في أن هذه العملية تضمن تجانسا متزايدا بين كافة المجتمعات البشرية بغض النظر عن أصولها التاريخية أو ترائها الحضاري، ذلك أن كافة الدول التي تمارس تحديث اقتصادها لا بد أن يزداد باطراد التشابه فيما بينها: إذ يتعين عليها التوحد قوميا على أساس من الدولة المركزية، والتوسع في تأسيس المدن، والاستعاضة عن الأشكال التقليدية للتنظيم الاجتماعي (كالقبيلة والطائفة والعائلة) بأشكال يقرها منطق الاقتصاد تقوم على أساس من الدور والكفاءة، وتوفير التعليم العام لكافة المواطنين. وقد زادت الروابط التي تربط بين مثل هذه المجتمعات بفضل الأسواق العالمية وانتشار الثقافة الاستهلاكية في العالم كله. أضف إلى ذلك، أن منطق العلوم الطبيعية الحديثة يبدو وكأنما هو يفرض على العالم تطورا شاملا ينجه صوب الرأسمالية. فتجارب الاتحاد السوفييتي والصين والدول الاشتراكية الأخرى تشير إلى أنه بالرغم من أن الاقتصاد المركزي المفرط في مركزينه قد يكفى للوصول بالدولة الى مستوى التصنيع الذي عرفته أوروبا في الخمسينيات من هذا القرن، فإنه غير كاف البتة لخلق ما يسمى اقتصادات ما بعد عصر الصناعة و المركبة حيث يكون للمعلومات والابتكارات التكنولوجية دور يفوق بكثير دورها في الماضي.
غير أنه بالرغم من أن الآلية التاريخية التي تمثلها العلوم الطبيعية الحديثة تكفي لتفسير الكثير مما يتصل بطابع التحول التاريخي وتزايد التجانس بين المجتمعات الحديثة، فهي غير كافية لتفسير ظاهرة الديموقراطية، فما من شك في أن أرقي دول العالم في مضمار التنمية، هي أيضا أنجحها في مضمار الديموقراطية. بيد أنه في حين تقودنا العلوم الطبيعية الحديثة إلى أبواب أرض الميعاد (وهي الديموقراطية الليبرالية) فإنها لا تدخل بنا إلى أرض الميعاد ذاتها، حيث إنه ليس ثمة سبب يحلمه الاقتصاد بجعل الحرية السياسية ثمرة أكيدة للتصنيع المتقدم. فقد شهدت بعض العصور بزوغ ديموقراطيات مستقرة في مجتمعات سابقة على عصر التصنيع (كما في الولايات المتحدة عام 1776) . ومن ناحية أخرى نجد أمثلة تاريخية ومعاصرة كثيرة لرأسمالية متقدمة التكنولوجيا متعايشة مع ديكتاتوريات سياسية (كما في اليابان في عهد الميجي، وألمانيا في زمن بسمارك، وفي سنغافورة وتايلاند في زمننا هذا) . وثمة حالات عديدة أمكن فيها للدول الديكتاتورية الوصول إلى معدلات نمو اقتصادي لم تتمكن المجتمعات الديموقراطية من تحقيقها.