حقا وقعت خلال النصف الأول من القرن العشرين: حربان عالميتان مدمرتان، وظهور الأيديولوجيات الشمولية، واستخدام العلم ضد الانسان في صورة الأسلحة النووية وتدمير البيئة. ولا شك أن تجارب ضحايا العنف السياسي خلال هذا القرن. من أولئك الذين عاصروا فظائع الهتلرية و الستالينية إلى ضحايا نظام بول بوت. ستدفعهم إلى إنكار أن يكون ثمة ما يعرف بالتقدم التاريخي. بل بات مألوفا تماما لنا الآن أن نتوقع أن يحمل المستقبل لنا في طياته أنباء سيئة فيما يتعلق بتقدم و أمن الممارسات السياسية الديموقراطية الليبرالية الملتزمة بالأعراف والتقاليد، بحيث أضحى من الصعب علينا أن نتعرف على الأحداث الطيبة الايجابية عند وقوعها.
ومع هذا فإني زعيم بأن الأخبار السارة تطرق الأن أبوابنا. وقد كان أبرز تطورات الربع الأخير من القرن العشرين هو إماطة اللثام عن أوجه الضعف الخطيرة في أنظمة العالم الديكتاتورية، حتى ما بدا منها قويا عتيدا، سواء منها اليمين السلطوي العسكري، أو اليسار الشمولي الشيوعي، فمن أمريكا اللاتينية إلى شرق أوروبا، ومن الاتحاد السوفييتي إلى الشرق الأوسط وآسيا، تهاوت حكومات قوية على مدى العقدين الماضيين. ورغم أنها لم تفسح الطريق في كل الحالات أمام ديموقراطيات ليبرالية مستقرة، فإن الديموقراطية الليبرالية تظل المطمح السياسي الواضح الوحيد في مختلف المناطق والثقافات في كوكبنا هذا. كذلك فإن المباديء الليبرالية في الاقتصاد. آي والسوق الحرة، قد انتشرت ونجحت في خلق مستويات من الرخاء المادي لم نعهدها من قبل، سواء في الدول الصناعية المتقدمة أو في دول كانت وقت انتهاء الحرب العالمية الثانية جزءا من العالم الثالث الفقير، فالثورة الليبرالية في الفكر الاقتصادي كانت أحيانا تسبق، وأحيانا تتلو، الاتجاه صوب الحرية السياسية في مختلف بقاع الأرض.
كل هذه التطورات شديدة الاختلاف في التاريخ الرهيب للنصف الأول من القرن حين بزغت حكومات شمولية يمينية ويسارية عديدة، توحي بالحاجة إلى إعادة النظر في مسألة ما إذا كان هناك خيط خفي يربط بين هذه التطورات، أم أنها مصادفات اتسعت جميعها بأنها أمثلة لحسن الحظ. وإذ أثير من جديد موضوع ما إذا كان ثمة ما يمكن أن يسمى بالتاريخ العالمي للبشرية، فإنما أستأنف بذلك مناقشة بدأت في أوائل القرن التاسع عشر ثم هجرت الى حد ما في زماننا بسبب ضخامة الأحداث التي خبرتها البشرية منذ ذلك الحين. وبالرغم من أني سأستعين في عرضي للموضوع بآراء فلاسفة من أمثال كانط وهيجل ممن تعرضوا لهذه المسألة من قبل، فإني أمل أن تثبت حججي في هذا الكتاب قدرتها في حد ذاتها على إقناع القاريء.
يعرض الكتاب، في غير تكلف للتواضع، محاولتين اثنتين. لا محاولة واحدة. لتحديد معالم مثل هذا التاريخ العالمي، فبعد أن أثبت في الجزء الأول منه حاجتنا إلى أن نعيد إثارة موضوع إمكانية وجود تاريخ عالمي، سأعرض في الجزء الثاني إجابة مبدئية محاولا استخدام العلوم الطبيعية الحديثة باعتبارها منظما أو آلية التفسير أن التاريخ يسير مترابطا بصورة منطقية نحو هدف محدد يتجه اليه، فالعلوم الطبيعية الحديثة هي نقطة بداية مفيدة بالنظر إلى أنها تمثل النشاط الاجتماعي الهام الوحيد الذي يجمع الناس على أنه يتسم بالنمو والتراكم والغائية، بالرغم حتى من