بعين الاعتبار تجارب كافة الشعوب في جميع العصور. وقد ارتبط هذا الفهم للتاريخ أوثق ارتباط بالفيلسوف الألماني الكبير ج. ف. ف. هيجل، ثم أضحى جزءا من مناخنا الثقافي اليومي بفضل کارل مارکس الذي استعار هذا المفهوم عن التاريخ من هيجل: وهو مفهوم يتضمنه ويوحي به استخدامنا لكلمات مثل:، بدائي،، أو ا متقدم، أو، تقليدي، أو احديث،، عند الإشارة إلى مختلف صنوف المجتمعات البشرية. فعند هذين المفكرين أن ثمة تطورا متلاحما جلى الملامح تمجتمعات البشرية من مجتمعات قبلية بسيطة قائمة على العبودية وزراعة الكفاف، إلى مختلف أشكال الحكومات الدينية والملكية والأرستوقراطيات الإقطاعية، وانتهاء بالديموقراطيات الليبرالية الحديثة، والرأسمالية القائمة على التكنولوجيا، ولم تكن هذه العملية التطورية عشوائية في مسارها أو مبهمة الملامح، حتى وإن لم يكن التطور في خط مستقيم، وحتى إن أمكن الشك فيما إذا كان الانسان قد أضحى أسعد أو أحسن حالا نتيجة , للتقدم و التاريخي.
كان في اعتقاد كل من هيجل وماركس أن تطور المجتمعات البشرية ليس إلى ما لا نهاية، بل أنه سيتوقف حين تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع يشيع أحتياجاتها الأساسية والرئيسية. وهكذا افترض الاثنان أن، للتاريخ نهاية: هي عند هيجل الدولة الليبرالية، وعند مارکس المجتمع الشيوعي، وليس معنى هذا أن تنتهي الدورة الطبيعية من الولادة و الحياة والموت، وأن الأحداث الهامة سيتوقف وقوعها، وأن الصحف التي تنشرها ستحتجب عن الصدور. وإنما يعني هذا أنه لن يكون ثمة مجال لمزيد من التقدم في تطور المبادئ والأنظمة الأساسية، وذلك لأن كافة المسائل الكبيرة حقا ستكون قد خلت.
وليس كتابي هذا إعادة صياغة المقالي الأصلي، ولا هو محاولة لاستئناف المناقشة مع نقادها الكثيرين و المعلقين عليها، وهو أبعد ما يكون عن استهداف شرح نهاية الحرب الباردة، أو أي موضوع ملخ أخر من موضوعات السياسة المعاصرة. فبالرغم من أن الكتاب قد أخذ بعين الاعتبار الأحداث العالمية الأخيرة، فإن موضوعه يعود بنا إلى سؤال قديم للغاية، هو ما إذا كان من المقبول منا. ونحن نودع القرن العشرين - أن نتحدث مرة أخرى عن تاريخ البشرية واضح المعالم والأهداف يتجه بالشطر الأعظم من البشرية صوب الديموقراطية الليبرالية؟ والإجابة عندي هي، نعم، لسبين مستقلين: الأول يتصل بالاقتصاد، والثاني يتصل بما يسمي، الصراع من أجل تيل التقدير والاحترام .. .
وبطبيعة الحال لا يكفي الاستشهاد بهيجل أو ماركس أو بأي من أتباعهما المعاصرين لإثبات صحة القول بأن التاريخ موجه نحو غاية معينة. فقد هوجم تراثهما الفكري أعنف هجوم من كافة الاتجاهات على مدى قرن ونصف القرن، هي عمر هذا التراث. وقد نهض أعمق مفكري القرن العشرين بهجوم مباشر على فكرة أن التاريخ عملية واضحة مفهومة الاتجاه، بل و أنكروا احتمال أن يكون بوسعنا أن نفهم أي وجه من وجوه الحياة الانسانية فهما فلسفيا. ذلك أننا في الغرب قد أصبحنا بالغ التشاؤم فيما يتصل بإمكانية التقدم الشامل في مجال الأنظمة الديموقراطية. وهو تشاؤم عميق لا أحسبه عارضا أو من قبيل المصادفة، وإنما هو ناجم عن أحداث سياسية رهيية