الصفحة 42 من 376

القرن في مجمله قرن سلام وزيادة غير معهودة في الرخاء المادي. وكان ثمة أساسان رئيسيان للتفاؤل، الأول: الاعتقاد بأن العلم الحديث سيقضي على المرض والفقر فتتحسن بذلك أحوال البشر، وأن التكنولوجيا الحديثة ستتحكم في الطبيعة التي ظلت دوما عدوة للإنسان وستجعلها أداة في سبيل زيادة سعادته. والثاني: أن الحكومات الديموقراطية الحرة سيستمر انتشارها إلى المزيد فالمزيد من أقطار العالم. وكان ثمة إيمان بأن «روح عام 1774

0، أو المثل العليا للثورة الفرنسية، ستقضى على طغاة العالم وحكامه المطلقين ورجال الدين بخرافاتهم. كذلك فإنه سيحل محل الطاعة العمياء للسلطة، حكم ذاتي قائم على العقل، يكون الناس كافة في ظله أحرارا متساوين، لا يطيعون من السادة غير أنفسهم. بل إنه حتى الحروب الدموية كحروب نابليون كان باستطاعة الفلاسفة أن يفسروها في ضوء الحركة العريضة للمدنية على أنها في نتائجها تخدم التقدم الاجتماعي لأنها تساعد على انتشار مفهوم الحكومة الجمهورية، وقد طرحت عدة نظريات، بعضها جاد وبعضها دون ذلك، تسعى إلى شرح كيف أن تاريخ البشرية يشكل كلا متماسكا كبير الانسجام، وكيف أن انحناءاته وتعرجاته يمكن فهمها على انها تؤدي إلى مباهج العصر الحديث وخيراته. وقد كان بوسع رجل مثل روبرت ماكينزي أن يكتب عام 1880 فيقول:

، إن التاريخ البشري هو سجل التقدم؛ سجل تراكم المعارف والحكمة المتزايدة والارتقاء الدائم من درجة أدني إلى درجة أعلى من الذكاء والرخاء. فكل جيل بسلم الجيل التالى ما ورثه من كنوز بعد إدخال التعديلات النافعة عليها في ضوء خبراته، وبعد زيادة ثمارها بفضل ما أحرزه من انتصارات ... وقد غدا الأن نمو رفاهية وسعادة البشر، بعد تخليصهم من عدوانية الأمراء وأهوائهم، غير خاضع إلا لتنظيم قوانين العناية الإلهية العظيمة الخيرة، (2) .

ويمكننا أن نقرأ تحت عنوان مادة، تعذيب، في الطبعة الحادية عشرة الشهيرة من دائرة المعارف البريطانية المنشورة عام 1911. 1910، أن، الأمر كله لم تعد له غير أهمية تاريخية فيما يتصل بالقارة الأوروبية , (3) . وقد نشر الصحفي «نورمان أنجيل، عشية نشوب الحرب العالمية الأولى كتابا بعنوان: الوهم الكبير، ذهب فيه إلى أن التجارة الحرة قضت على الرغبة في التوسع الاقليمي وجعلت من الحرب أمرا غير مقبول في منطق الاقتصاد (4) .

ويرجع التشاؤم المتطرف في قرننا هذا. جزئيا على الأقل. إلى قسوة انهيار تلك المطامح السابقة وتبدد تلك التطلعات. وقد كانت الحرب العالمية الأولى عاملا حاسما في زعزعة ثقة أوروبا بنفسها، صحيح أن الحرب اسقطت النظام السياسي القديم الذي كانت تمثله الامبراطوريات الألمانية والنمساوية والروسية، غير أن تأثيرها الأعمق كان نفسيا. فسنوات أربع من حرب خنادق مروعة على نحو يفوق الوصف شهدت مصرع عشرات الآلاف خلال يوم واحد منها من أجل بضع پاردات من أرض خراب، كانت. على حد تعبير بول فوسيل -، نقضا رهيبا محرجا لخرافة ميليور الشائعة التي ظلت لمدة قرن بأكمله تهيمن على وعي الجماهير، وعكست فكرة التقدم , (5) . وقد استغلت فضائل الولاء والعمل الجاد والمثابرة والوطنية في عمليات قتل الأخرين بطريقة منظمة وخالية من أي معنى، بحيث أفقدت الناس الثقة في العالم البورجوازي كله الذي خلق مثل هذه القيم (1) . ففي رواية إريك ماريا ريمارك وكل شيء هاديء على الجبهة الغربية، يقول بول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت