الصفحة 44 من 376

وكنا نحن الصبية في الثامنة عشرة من العمر نعتقد أن من واجب مدرسينا في المدرسة أن يكونوا الوسطاء والمرشدين لنا إلى عالم ناضج، عالم قوامه العمل و الواجب والثقافة والتقدم، أي نحو المستقبل ... غير أن هذا الاعتقاد تحطم تماما حين شهدنا أول صريع يسقط بيننا .. ثم يقول في كلمات رددها فيما بعد الشباب الأمريكيون خلال حرب فيتنام: إن جيلنا أولى بالثقة من جبلهم و (7) . ففكرة استغلال التقدم الصناعي في أوروبا في شن حرب لا معنى لها ولا مبرر من الأخلاقيات، أدت إلى استنكار مرير لكافة المحاولات الساعية الى استنباط المعنى أو الأنماط الأكبر في التاريخ، وكان بوسع المؤرخ البريطاني الشهير ه. أ. ل. فيشر أن يكتب عام 1934 فيقول: ولقد رأى أناس أكثر منى حكمة و علما أن في التاريخ خطة وإيقاعا منتظما ونمطا محددا، وكلها أمور خافية عني، كل ما أراه في التاريخ هو حادث طاري، يتبع حادثا طارئا كما تتابع الأمواج في البحر (4) .

وقد اتضح بعد ذلك أن الحرب العالمية الأولى كانت مجرد تجربة هينة الأشكال جديدة من الشر سرعان ما ظهرت. فإن كان العلم الحديث قد مكن من اختراع أسلحة دمار لم يسبق لها مثيل، کالمدافع الرشاشة والطائرات القاذفة، فإن السياسة الحديثة قد مكنت من ظهور دولة ذات سلطان غير مسبوق، بحيث نشأت ضرورة لابتكار كلمة جديدة لوصفها، وهي: الشمولية .. هذا النمط الجديد من أنظمة الحكم، تعززه شرطة فعالة، وأحزاب سياسية جماهيرية، وأيديولوجيات راديكالية تسعى إلى التحكم في كافة مظاهر الحياة البشرية، استهدف غاية الهيمنة على العالم كله. والواقع أن التاريخ الإنساني لم يعرف قط إبادة جماعية كتلك التي قامت بها الأنظمة الشمولية في المانيا الهتلرية وروسيا الستالينية، وهي إيادة ما كانت لتتحقق لولا الحدائة ذاتها (9) . لقد عرف العالم بطبيعة الحال نظما دموية كثيرة قبل القرن العشرين. غير أن هتلر وستالين وضعا التكنولوجيا الحديثة والتنظيم السياسي الحديث في خدمة الشر، وما كان في وسع الأنظمة الاستبدادية و التقليدية، من الناحية الفنية أن تنفذ خطة طموحة مثل خطة استئصال، طبقة، كاملة من الناس، كيهود أوروبا، أو المزارعين الأغنياء في الاتحاد السوفييتي، وهي خطط ومهام بات من الممكن النهوض بها بفضل التقدم التكنولوجي والاجتماعي في القرن الماضي، وقد كانت الحروب التي شنتها هذه الأيديولوجيات الشمولية جديدة الطابع أيضا، إذ استهدفت الإبادة الجماعية للسكان المدنيين وتدمير الموارد الاقتصادية، مما جعلنا نسميها بالحروب الشاملة. وقد أدت رغبة الديموقراطيات الليبرالية في الدفاع عن نفسها ضد هذا الخطر إلى تبنيها لاستراتيجيات عسكرية مثل قصف مدينة درسدن أو هيروشيما بالقنابل، وهو ما كان يسمى في العصور السابقة بالإبادة الجماعية.

لقد ربطت نظريات القرن التاسع عشر الخاصة بالتقدم بين شرور البشر وبين حالة التخلف في التطور الاجتماعي، غير أنه في حين ظهرت الستالينية في دولة متخلفة شبه أوروبية معروفة بنظام حكمها الاستبدادي، فإن المحرفة التي تبرت اليهود وقعت في بلد يحظى بأرقي اقتصاد صناعي، وشعبه من أرفي شعوب أوروبا ثقافة وأكبرها حظا من التعليم. فإن كانت مثل هذه الأمور يمكن أن تحدث في ألمانيا، فما الذي يحول دون وقوعها في أية دولة متقدمة أخرى؟ وإذا كان التطور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت