الصفحة 46 من 376

الاقتصادي والتعليم والثقافة لا تكفي كضمان ضد حدوث ظاهرة كالنازية، فما جدوى التقدم التاريخى إذن (10) ؟

ومن ثم، فإن تجاربنا في القرن العشرين، قد أثارت مشكلة ضخمة حول دعوى التقدم على أساس من العلم والتكنولوجيا. ذلك أن قدرة التكنولوجيا على الارتقاء بالحياة البشرية تتوقف بشكل حاسم على حدوث تقدم مواز في أخلاق البشر. إذ أنه بدون هذا التقدم الثاني يمكن القول بأن قوة التكنولوجيا ستستخدم بكل بساطة لتحقيق أهداف شريرة، وستتدهور أحوال الانسانية عما كانت عليه من قبل. وما كان يمكن لحروب القرن العشرين الشاملة أن تحدث لولا التقدم المهم في الثورة الصناعية: في إنتاج الحديد والصلب ومحرك الاحتراق الداخلي والطائرة. ومازالت البشرية منذ هيروشيما تعيش في ظل أفظع تقدم تكنولوجي حتى الآن، ألا وهو الأسلحة النووية. كذلك فإن للنمو الاقتصادي الهائل الذي حققه العلم الحديث جانبا مظلما، حيث إنه أدى إلى اضرار خطيرة بالبيئة في كثير من بقاع كوكبنا، مما أثار احتمال وقوع كارثة بيئية عالمية في نهاية المطاف. وكثيرا ما يقال لنا إن تكنولوجيا المعلومات الكونية والاتصالات الفورية قد أشاعت المثل العليا الديموقراطية، على نحو ما حدث عندما أذاعت محطة سي. إن. إن. على العالم كله أنباء احتلال ميدان تيانانمن في بكين 1989 أو ثورات شرق أوروبا في فترة تالية من العام نفسه. غير أن تكنولوجيا الاتصالات في حد ذاتها لها قيمة محايدة. فأفكار آية الله الخميني الرجعية تسللت الى ايران قبل ثورة 1978 عن طريق أجهزة التسجيل التي وفرها على نطاق واسع تحديث الاقتصاد في عهد الشاه. ولو أن التليفزيون والاتصالات العالمية الفورية كانت متوافرة في الثلاثينيات، الاستخدمها دعاة النازية من أمثال ليني ريفينشتال وجوزيف جوبلز أعظم استخدام من أجل نشر الأفكار الفاشية دون الديموقراطية.

كذلك فإن صدمة أحداث القرن العشرين تشكل خلفية الأزمة الفكرية العميقة السائدة. ذلك أنه من غير المستطاع الحديث عن تقدم تاريخي ما لم نكن نعرف الى أين تتجه البشرية، وقد ظن معظم الأوروبيين في القرن التاسع عشر أن التقدم يعني التقدم صوب الديموقراطية. أما في الشطر الأكبر من قرننا هذا، فلم يكن ثمة إجماع حول هذا الموضوع. فقد تحدت الديموقراطية الليبرالية، أيديولوجيتان رئيسيتان متنافستان، هما الفاشية والشيوعية، إذ عرضتا نظرئين شديدتي التباين بصدد المجتمع السليم. وفي الغرب نفسه تساءل الناس عما إذا كانت الديموقراطية الليبرالية هي في حقيقة الأمر مطمحا عاما للبشر أجمعين، وعما إذا كانت ثقتهم السالفة في أنها المطمح العام لا تعكس غرورا عنصريا ضيقا من جانبهم. وإذ اضطر الأوروبيون إلى مواجهة العالم غير الأوروبي، كسادة مستعمرين في البداية، ثم كحماة لهم أثناء الحرب الباردة، ثم كأنداد (من الناحية النظرية) في عالم من الدول القومية ذات السيادة، إلا أنهم شرعوا يتشككون في عالمية مثلهم. فالتدمير الانتحاري الذي تسبب فيه النظام الأوروبي للدولة خلال حربين عالميتين هدم فكرة تفوق العقلانية الغربية، في حين أضحي من الصعب التمييز بين المتمدين و الهمجي (وهو تمييز كان غريزيا لدى الأوروبيين في القرن التاسع عشر) بعد ما عرفناه عن معسكرات الموت النازية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت