الديموقراطية فيها مقبولة على نطاق واسع، كان الشباب الذي يدرس في الغرب كثيرا ما يعود إلى بلاده مؤمنا بأن الشيوعية أو الفاشية هي نظام المستقبل للمجتمعات الحديثة. وتقوم معاهد التعليم العالى اليوم في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية بتلقين الشباب الأبعاد التاريخية والنسبية للفكر في القرن العشرين، لإعدادهم للمواطنة في الديموقراطيات الليبرالية عن طريق غرس مشاعر التسامح إزاء وجهات النظر المخالفة. غير أنها تعلمهم أيضا أنه ليس ثمة دليل قاطع على أن الديموقراطية الليبرالية أفضل من الأشكال الأخرى للحكم.
أما عن القول بأن غالبية المتعلمين من الطبقة المتوسطة في أكثر الدول الصناعية تقدمة يفضلون الديموقراطية الليبرالية على الصور المختلفة للأنظمة الشمولية، فيثير التساؤل حول سبب تفضيلهم هذا، والواضح أن تفضيل الديموقراطية لا يمليه منطق مسار التصنيع نفسه حيث إن هذا المسار يشير إلى حد ما إلى الاتجاه المضاد. فإن كان هدف الدولة هو النمو الاقتصادي قبل أي اعتبار أخر، فإن التوليفة الأحرى بالنجاح، ليست هي الديموقراطية الليبرالية ولا هي الاشتراكية بصورتها اللينينية أو الديموقراطية، وإنما هي توليفة الاقتصاد الليبرالي والنظام السياسي الديكتاتوري التي أسماها بعض المراقبين بالدولة الديكتاتورية البيروقراطية، والتي قد نسميها نحن بالديكتاتورية الأخذة بنظام السوق.
وثمة أدلة كثيرة على أن الديكتاتورية الأخذه بنظام السوق من أجل تحديث المجتمع تحقق نتائج اقتصادية أفضل مما تحققه الأنظمة الديموقراطية. وشواهد التاريخ توضح أن هذا الصنف من الأنظمة قد حقق أحيانا بعضا من أعظم الإنجازات في ميدان النمر الاقتصادي، كألمانيا في عهد الأباطرة، واليابان في عهد أسرة الميجي، وروسيا في ظل إدارة فيته وستوليبين، ثم مؤخرا البرازيل بعد استيلاء الجيش على السلطة عام 1964، وشيلي في ظل حكم بينوشيه، وكذا بالطبع دول جنوب شرقي آسيا المصنعة حديثا (31) . فمتوسط معدل التنمية السنوية في ديموقراطيات دول العالم النامي في السنوات ما بين عامي 1991 و 1998 (بما في ذلك الهند و سيلان و الفلبين و شيلي وكوستاريكا، بلغ 2?1 في المائة فقط، في حين وصل إلى 5?2 في المائة في مجموعة الأنظمة الديكتاتورية المحافظة في أسبانيا وإيران وتايوان وكوريا الجنوبية وتايلاند وباكستان(37) .
أما عن أسباب تفوق أداء الدولة الديكتاتورية الأخذة بنظام السوق على أداء الدولة الديموقراطية في المضمار الاقتصادي، فهي واضحة إلى حد كبير ونجدها مشروحة في كتاب و الرأسمالية والاشتراكية والديموقراطية، للاقتصادي المعروف جوزيف شمبيتر. ففي حين نجد أن الناخبين في الدول الديموقراطية قد يقرون مياديء السوق الحرة في صورتها المجردة، نراهم يتخلون عنها بسهولة حين تتعرض مصالحهم الشخصية الاقتصادية قصيرة المدى للخطر. وبعبارة أخرى فإنه ليس هناك ما يدعو إلى الثقة في أن يكون اختيار الجمهور في الدولة الديموقراطية أختيارا اقتصاديا منطقيا، أو في ألا يستخدم الخاسرون اقتصاديا سلطتهم السياسية من أجل حماية مراكزهم. فالأنظمة الديموقراطية التي تعكم مطالب جماعات المصالح المختلفة في مجتمعاتها، تميل في مجموعها إلى زيادة الإنفاق على وسائل تحقيق الرفاهية، ووضع عوائق في طريق الانتاج بفرضها
و 119