إسبرطة والاتحاد السوفييتي في ظل حكم ستالين. والواقع أن تأريخا دوريا حقيقيا كذلك الذي تصوره أفلاطون أو أرسطو يستلزم حدوث كارثة عالمية هائلة تمحو كل الذكريات عن الأزمنة السابقة، وإنه لمن الصعب حتى في عصر الأسلحة النووية وارتفاع حرارة الكون أن نتصور كارثة قادرة على استئصال فكرة العلوم الطبيعية الحديثة. وما لم نستد حرية إلى قلب هذا الوحش فإنه سيعود إلى الحياة مرة أخرى في ظرف أجيال قليلة بكل ما يصاحبه من آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية. ذلك أن أي عودة أساسية عن هذا الطريق ستعني انقطاع الصلة بالعلوم الطبيعية الحديثة والعالم الاقتصادي الذي خلقته. غير أنه من غير المحتمل أن يختار أي مجتمع معاصر أن يفعل ذلك، كما أن التنافس العسكري على أي حال سيجعل من المحتم أن تختار كافة المجتمعات الانتساب إلى هذا العالم.
لقد اتضح في أواخر القرن العشرين أن نظامي هتلر وستالين إنما كانا طريقين فرعيين للتاريخ لم يوصلا إلى شيء، ولم يكونا بديلين حقيقيين للتنظيم الاجتماعي البشري. وفي حين جاوزت التضحيات البشرية في عهدهما كل الحدود، فإن نظاميهما الشموليين في أصورتيهما المجردتين اندثرا تماما خلال جيل واحد، إذ اختفت الهتلرية عام 1945، والستالينية عام 1956، وقد حاولت دول كثيرة أخرى إقامة صورة من صور الشمولية، كالثورة الصينية عام 1949، ونظام الخمير الحمر الإجرامي في كمبوديا في منتصف السبعينيات، وعدد لا حصر له من الديكتاتوريات الصغيرة القبيحة الممتدة من كوريا الشمالية واليمن الجنوبي وإثيوبيا وكوبا وأفغانستان من جانب اليسار، إلى إيران والعراق وسوريا من جانب اليمين (1) . غير أن السمة المشتركة لكل هذه النظم الشمولية الجديدة، هي أنها قامت في أقطار فقيرة متخلفة نسبيا من أقطار العالم الثالث (2) . وقد كان الفشل المطرد الذي صادفته الشيوعية في سعيها في التغلغل إلى العالم النامي، مع انتشارها في دول هي على وشك الدخول في المراحل الأولى من التصنيع، موحية بأن «إغراء الشمولية هو كما وصفه والت روستو، مرض المرحلة الانتقالية، أو هو حالة مرضية ناجمة عن احتياجات سياسية واجتماعية خاصة في دول تمر بمرحلة معينة من التطور الاجتماعى الاقتصادي (3) .
ولكن، ماذا إذن عن الفاشية وهي التي ظهرت في بلد متقدم جدا؟ كيف يمكن وصف الاشتراكية القومية الألمانية بأنها: مرحلة تاريخية و وليست من اختراع الحداثة ذاتها؟ وإن كان الجيل الذي عاصر أحداث الثلاثينيات قد أفاق من حالة الرضا عن النفس حين دوي انفجار الكراهية التي قيل إن تقدم الحضارة سوف يستأصلها، فمن ذا الذي يستطيع أن يضمن ألا نفاجأ بانفجار جديد من مصدر آخر لا ندركه حتى الآن؟
الإجابة بطبيعة الحال هي أنه ليس ثمة ما يضمن ذلك، ولا بوسعنا أن نطمئن الأجيال القادمة على أنه لن يظهر هتلر آخر أو بول بوت آخر؟ فإن زعم اليوم مفكر هيجلى أن هتلر كان
ضروريا لتحقيق الديموقراطية في ألمانيا بعد عام 1945، فلن يصادف زعمه غير السخرية. ومع ذلك فإن التاريخ العالمي ليس بحاجة إلى تبرير كل نظام مستبد وكل حرب حتى يوضح نمطا أكبر ذا معنى وهدف في التطور الإنساني. ولن يقلل من قوة مسار التطور وانتظامه على المدى