الصفحة 242 من 376

الطويل اعترافنا باحتمال انقطاعه لمدد طويلة ودون تفسير ظاهر، بالضبط كما أن الاندثار المفاجيء للديناصور لا يزعزع من صحة النظرية البيولوجية الخاصة بالتطور.

لا يكفي مجرد الإشارة إلى المحرقة، لنتوقع أن ينتهي بعدها الحديث عن مسألة التقدم أو العقلانية في تاريخ البشر، دون أن يدفعنا الهلع الناجم عن هذا الحدث إلى التمهل والتأمل. وهناك عزوف عن مناقشة الأسباب التاريخية للمحرقة مناقشة منطقية، كعزوف المعارضين للتجارب النووية عن مناقشة الردع أو الاستخدام الاستراتيجي للأسلحة النووية. ففي الحالتين نلمس قلقا خفيا من أن يؤدي المنطق إلى تبرير المجازر الجماعية. ومن الشائع بين الكتاب الذين يرون في محرقة اليهود الحدث الأعظم في تاريخ الحداثة القول بأن هذه المحرقة حدث تاريخي فريد في وحشيته، وأنها في نفس الوقت مظهر للشر الذي يختفي وراء السطح في كافة مجتمعات العالم. غير أن الزعمين متناقضان، فلو أنها حدث تاريخي فريد في وحشيته ولم يحدث له مثيل من قبل، فلابد من أن لها أسبانيا فريدة لا نتوقع أن تراها تتكرر بسهولة في بلدان أخرى في عصور مختلفة (4) . وعلى هذا فإنه لا يمكن اعتبارها مظهرا حتميا للحداثة. ومن جانب آخر، إن كانت مظهرا للشر القائم في كافة مجتمعات العالم، فهي إذن مجرد صورة متطرفة لظاهرة رهيبة وشائعة جدا في نفس الوقت وهي التطرف في المشاعر القومية الذي يمكن أن يبطئ من سرعة قاطرة التاريخ دون أن يؤدي إلى انقلابها.

أما عني فإني أميل إلى الاعتقاد بأن تلك المحرقة كانت حدثا تاريخيا فريدا في وحشيته، وكانت في نفس الوقت نتيجة ظروف تاريخية فريدة ظهرت في ألمانيا خلال العشرينيات والثلاثينيات. هذه الظروف ليست كامنة في معظم الدول المتقدمة، ليس هذا فحسب، بل إنه من الصعب جدا (وإن لم يكن من المستحيل) أن تتكرر في مجتمعات أخرى في المستقبل. فالكثير من هذه الظروف (مثل الهزيمة في حرب طويلة ضروس، والكساد الاقتصادي) ، هي ظروف معروفة وبالوسع تكررها في بلدان أخرى. غير أن هناك ظروفا أخرى نجدها وثيقة الصلة بالتقاليد الفكرية والثقافية الخاصة بألمانيا في ذلك الوقت (كعدائها للمادية، وتأكيدها لضرورة الجهاد والتضحية) ، وهو ما ميز ألمانيا عن فرنسا وانجلترا الليبراليتين. هذه التقاليد التي لا يمكن وصفها بأنها حديثة، قد شد من أزرها الاضطرابات الاجتماعية الخطيرة التي نجمت عن التصنيع السريع في ألمانيا وقت الأباطرة، قبل وبعد الحرب الفرنسية البروسية. وبوسعنا أن نفهم النازية باعتبارها صورة (وإن كانت متطرفة) لمرض المرحلة الانتقالية، أو باعتبارها أثرا جانبيا لعملية التحديث، وليس بالضرورة أحد مكونات الحداثة ذاتها (ه) . ولا يعني هذا أن ظاهرة كالنازية يستحيل الآن ظهورها من جديد، حيث إننا تجاوزنا هذه المرحلة في تقدمنا الاجتماعي. أما ما نعنيه فهو أن الفاشية حالة مرضية ومتطرفة لا يمكن أن نحكم في ضوئها على الحداثة في مجموعها.

إن القول بأن الستالينية أو النازية مرض من أمراض التنمية الاجتماعية، لا يعمينا عن فظائعها ولا يقلل من تعاطفنا مع ضحاياها، وعلى حد قول جان فرانسوا ريفيل فإن انتصار الديموقراطية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت