الصفحة 244 من 376

الليبرالية في بعض الأقطار خلال الثمانينيات لا تفيد منه غالبية البشر التي عانت من أهوال الديكتاتوريات خلال المائة سنة الماضية (1) .

ومن ناحية أخرى، فإن ضياع حياة هذه الغالبية وما عانته من الام لا ينبغي أن يجعلانا نحجم عن التساؤل عما إذا كان في التاريخ نمط منطقي. وقد شاع بين الناس توقع أن يؤدي التاريخ العالمي، إن وجد، وظيفة اللاهوت الفلسفي ولكن في صورة علمانية، فيبرر كل ما هو كائن على ضوء الغاية النهائية للتاريخ، غير أن هذا التوقع غير منطقي حيث إنه يمثل تجريدا يغفل تفاصيل التاريخ، ويتجاهل طبيعة نسيجه، وغالبا ما ينتهي بتجاهل شعوب وحقب بأسرها تشكل معا عصر ما قبل التاريخ. فأي تاريخ عالمي سنكتبه لن يوفر تفسيرا معقولا لأحداث كثيرة هي أحداث حقيقية في نظر من يخبرونها. وما التاريخ العالمي إلا أداة ذهنية، ليس بوسعها أن تحل مكان الله بافتداء كل ضحية من ضحايا التاريخ.

كذلك فإنه ليس بوسع الانقطاع المتكرر في التطور التاريخي مع كل أهواله (كما في حالة محرقة اليهود) أن يلغى حقيقة أن الحداثة هي كل متناسق بالغ القوة. ولا يقلل وجود حالات الانقطاع من شأن مظاهر الشبه الكبيرة في خبرات الشعوب التي تمر بمرحلة التحديث. ذلك أنه ما من أحد يستطيع أن ينكر أن الحياة في القرن العشرين مختلفة في أساسها عن الحياة في كافة العصور السابقة، وأن القليلين فقط من أولئك الذين يعيشون عيشة رغدة في ظل الديموقراطيات المتقدمة والذين يسخرون من فكرة التقدم التاريخي سيقبلون العيش في دولة متخلفة من دول العالم الثالث تمثل حقبة مبكرة من تاريخ البشرية. فبوسع المرء إذن أن يقول إن الحداثة خلقت مجالا جديدا للشرور الإنسانية، وبوسعه أن يشك في حقيقة التقدم الأخلاقي للبشر، غير أنه قد يظل مع ذلك مؤمنا بغائية المسار التاريخي ومنطقيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت