الصفحة 58 من 376

حكومة الساندينيستا في نيكاراجوا هي الأخرى وحل محلها ائتلاف بزعامة فيوليتا تشامورو بعد انتخابات حرة. غير أن مراقبين كثيرين كانوا أقل ثقة في إمكان استمرار الديموقراطيات الجديدة في أمريكا اللاتينية من ثقتهم في ديموقراطيات أوروبا الجنوبية، بالنظر إلى أن الديموقراطيات في هذه المنطقة كانت دائما تأتي وتمضي، وإلى أن كافة الديموقراطيات الجديدة تقريبا جابهت أزمات اقتصادية حادة أهم مظاهرها هو أزمة الديون. كذلك فإن دولا مثل بيرو وكولومبيا واجهت تحديا داخليا خطيرا يتمثل في التمرد والمخدرات. ومع ذلك، فقد استطاعت هذه الديموقراطيات الجديدة أن تثبت مرونتها الفائقة، وكأنما حصنتها تجاربها الماضية مع الشمولية ضد العودة السهلة الى الحكم العسكري، فالحقيقة الواقعة إذن هي أنه في حين لم تعرف السنوات الأولى من السبعينيات غير حفنة ضئيلة من الأنظمة الديموقراطية في أمريكا اللاتينية، غدت كوبا وجيانا في أوائل التسعينيات الدولتين الوحيدتين في النصف الغربي من الكرة الأرضية اللتين لا تسمحان بانتخابات حرة معقولة.

كذلك حدثت تطورات مشابهة في شرقي أسيا. ففي عام 1986 سقط نظام ماركوس الديكتاتوري في الفلبين وحلت مكانه الرئيسة كورازون أكينو بفضل موجة من التأييد الشعبي. وفي العام التالي تخلى الجنرال شون في كوريا الجنوبية عن منصبه وأتاح بذلك الفرصة لانتخاب رو تاي وو رئيسا للجمهورية، وبالرغم من أن النظام السياسي في تايوان لم يعرف إصلاحات جذرية كتلك التي ذكرناها، فقد بدت ثمة بوادر عملية اختمار ديموقراطية تحت السطح عقب موت شبانج تشنج كو في يناير 1988. وبوفاة الكثيرين من رجال الحرس القديم في حزب جو ميندانج الحاكم، زادت مشاركة قطاعات أخرى من المجتمع التايواني في البرلمان الوطني، بما في ذلك الكثير من السكان الأصليين لتايوان. وأخيرا فإن حكومة بورما الاستبدادية قد هز من دعائمها نمو الدعوة الى الديموقراطية في البلاد.

وفي فبراير 1990، أعلنت حكومة ف. و. دى كليرك التي يهيمن عليها البيض في جنوب افريقيا، إطلاق سراح نيلسون مانديلا ورفع الحظر على نشاط حزب المؤتمر الوطني الافريقي والحزب الشيوعي، وبذلك دشن دي کليرك مرحلة من التفاوض حول الانتقال إلى اشتراك السود والبيض في السلطة، تمهيدا لإقامة حكم الاغلبية.

ويوسعنا أن ندرك من موقعنا اليوم، كيف كان من الصعب علينا في الماضي التحقق من أبعاد أزمة الديكتاتوريات بسبب اعتقادنا الخاطيء بأن في إمكان الانظمة الاستبدادية الاستمرار في الحكم، أو بمعنى أوسع، اعتقادنا الخاطيء في بقاء الأنظمة القائمة على القوة على قيد الحياة دوما. فالدولة في الديموقراطيات الليبرالية ضعيفة بطبيعتها، حيث أن الإبقاء على مجال من الحريات الفردية يعني فرض قيود تقيلة على سلطانها. أما الأنظمة الشمولية، يمينية كانت أو يسارية، فقد كانت تسعى إلى استخدام قوة الدولة للاعتداء على مجال الحريات الفردية والتحكم فيه من أجل تحقيق أهداف شتي، كزيادة قوتها العسكرية، أو إرساء دعائم نظام اجتماعي تسوده المساواة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت