أو تحقيق نمو اقتصادي سريع، بحيث يمكن تعويض الخسارة في مجال الحرية الفردية بمكاسب على صعيد الأهداف القومية.
أما الضعف الحاسم الذي أودى في النهاية بهذه الأنظمة القوية فيتمثل في المقام الأول في الافتقار الى الشرعية , فهي إذن أزمة على المستوى النظري. ذلك أن الشرعية ليست هي العدالة ولا الحق بمعناهما المطلق، وإنما هي مفهوم نسبي قائم في الإدراك الشخصي للناس، ولا غنى لأي نظام قادر على العمل الفعال عن الاستناد إلى مبدأ الشرعية بوجه من الوجوه (1) , فليس ثمة ديكتاتور يستند في حكمه إلى القوة المحضة وحدها كما يقال عادة عن هتلر على سبيل المثال. فإن كان بوسع الطاغية أن يستند الى القوة في التحكم في أولاده، أو في المسنين، أو ربما في زوجته، لو أنه كان أقوى من هؤلاء جسديا، فالغالب ألا يكون بمقدوره التحكم في أكثر من اثنين أو ثلاثة أشخاص بنفس الأسلوب، والمؤكد أنه لن يستطيع أن يحكم به أمة مكونة من ملايين الناس (2) . وحين نقول إن ديكتاتورا مثل هتلر حکم و بالقوة، فإنما نعني أن أنصار هتلر. بما فيهم الحزب النازي والجستابو و الفيرماخت، استطاعوا إرهاب القطاع الأكبر من أفراد الشعب جسديا. ولكن، ما سبب ولاء هؤلاء الأنصار لهتلر؟ من المؤكد أن السبب ليس قدرته على إرهابهم جسديا. وإنما السبب هو في النهاية إيمانهم بشرعية سلطانه. فقد يمكن التحكم بالإرهاب في أجهزة الأمن ذاتها، غير أن الديكتاتور. عند نقطة معينة في نظامه. لا بد من أن يكون له أتباع أوفياء يؤمنون بشرعية سلطانه، كذلك الحال بالنسبة لأحط زعيم من زعماء المافيا وأكثرهم فسادا، فليس بوسعه السيطرة ما لم تقبل، عائلته و شر عينه على أساس ما. أو كما يقول سقراط في ا جمهورية أفلاطون، إنه حتى في عصابة من اللصوص، لا بد من توافر مبدأ ما من مبادئ العدالة يسمح بتقسيم الأسلاب فيما بينهم قسمة عادلة. وعلى ذلك فإن الشرعية أمر ضروري حتى بالنسبة لأكثر الديكتاتوريات ظلما ووحشية.
والواضح أن أي نظام من الأنظمة ليس في حاجة إلى اعتراف غالبية أفراد الشعب بشرعية سلطانه حتى يضمن لنفسه البقاء. فثمة العديد من الأمثلة المعاصرة لديكتاتوريات من الأقليات تمقتها شرائح عريضة من الشعب، وتمكنت مع ذلك من البقاء في الحكم لعشرات من السنين، ومنها النظام العلوي في سوريا، ونظام صدام حسين البعثي في العراق. ولسنا في حاجة إلى التدليل على أن الأنظمة العسكرية والديكتاتورية المختلفة في أمريكا اللاتينية حكمت بلادها دون حاجة الى تأييد شعبي واسع النطاق. فالافتقار الى الشرعية عند الشعوب ككل لا يعني أزمة في شرعية النظام ما لم تنتقل عدوى السخط وعدم الاعتراف بالشرعية إلى الصفوة المرتبطة بالنظام، خاصة الصفوة التي تحتكر أدوات القمع، كالحزب الحاكم، والقوات المسلحة، و الشرطة. فحين نتحدث إذن عن أزمة في الشرعية داخل نظام استبدادي فإنما نعني بها أزمة في صفوف الصفوة التي يعتبر انسجامها وتضامنها شرطا أساسيا لفعالية حكم النظام.
إن شرعية الديكتاتور قد تنبثق عن مصادر عديدة، كالولاء الشخصي من جانب جيش مدلل، أو أيديولوجية محكمة تبرر حقه في الحكم. وقد كانت الفاشية في قرننا هذا أهم محاولة منظمة الإرساء دعائم مبدأ الشرعية، وهو في آن واحد مبدأ متناسق يميني غير ديموقراطي و غير ملتزم