بالمساواة، فالفاشية لم تكن عقيدة شاملة عامة كالليبرالية أو الشيوعية بالنظر إلى أنها تنكر وجود إنسانية مشتركة أو مساواة في حقوق الانسان. وقد ذهبت الفاشية المغالية في نزعتها القومية إلى أن المصدر الأول للشرعية هو الجنس أو الأمة، وحق، الأجناس السادة أو الأرقي، والتي لها الغلبة (كالألمان) في حكم الشعوب الأخرى. فالقوة والإرادة فوق العقل والمساواة، وهما في حد ذاتهما مبرران للحكم، وكان على النازيين أن يثبتوا بجلاء. وهم في سبيل الصراع مع الثقافات الأخرى. التفوق العنصرى للألمان، وبالتالي فقد كانت الحرب عندهم حالة طبيعية لا حالة مرضية.
ولم يط، أمد الفاشية بحيث تعاني من أزمة شرعية داخلها، وإنما قهرتها قوة السلاح. فقد لقي هتلر وأتباعه الباقون حتفهم في مخبئهم ببرلين، مؤمنين حتى النهاية بعدالة قضية النازية وبشرعية سلطان هتلر، وقد تسببت تلك الهزيمة في زعزعة جاذبية الفاشية في أعين معظم الناس بعد أن شهدوا انهيارها (3) . ذلك أن هتلر كان قد أقام ادعاءه الشرعية على أساس وعده بالهيمنة على العالم، فإذا بالألمان بدلا من ذلك برون بلادهم وقد صارت إلى دمار مروع واحتلال من قبل أجناس كانوا بحسبونها أدني من جنسهم، وقد كان للفاشية سحرها الأخاذ لا عند الألمان وحدهم، وإنما لدى الكثيرين في مختلف أنحاء العالم، وذلك وقت أن كانت لا تعني أكثر من استعراضات على ضوء المشاعل، وانتصارات دون إراقة دماء. أما وقد قادتها نزعتها العسكرية الأصيلة إلى نتائجها الطبيعية فقد فقدت كل مغزاها. وبالوسع القول إن الغاشية كانت تعاني تناقضا داخليا. فتأكيدها على الروح العسكرية والحرب أقحمها بالضرورة في صراع مع النظام الدولي مرت فيه نفسها. ولذا فإنها لم تعد منافسا أيديولوجيا جادا للديموقراطية الليبرالية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
يمكننا بطبيعة الحال أن نتساءل عن مدى شرعية الفاشية إذا ما كانت قد استمرت حتى اليوم لو أن هتلر لم يقهر، كانت التناقضات الداخلية فيها ستغدو أعمق من احتمال انتصار النظام الدولي عليها عسكريا، ولو أن هتلر خرج من الحرب منتصرا لفقدت الفاشية مع ذلك مبرر وجودها في ظل امبراطورية عالمية يسودها السلام حيث تعجز القومية الألمانية عن فرض نفسها فيها عن طريق الحرب والغزو.
وبعد هزيمة هتلر لم يبق بديل يميتي للديموقراطية الليبرالية غير مجموعة من الديكتاتوريات العسكرية، المتشبثة بوجودها رغم أنها غير منطقية، وليس لدى معظم هذه الأنظمة تطلع إلى ما هو أبعد من الحفاظ على نظام اجتماعي تقليدي. أما أهم نقاط ضعفها فهو الافتقار الى أساس معقول وطويل المدى من الشرعية. ولم يكن باستطاعة هذه الأنظمة أن تحذو حذو هتلر فتصوغ عقيدة منسقة عن الأمة تبرر استمرار حكمها الاستبدادي. وقد كان عليها جميعا أن تقبل، مبدأ، الديموقراطية وسيادة الشعب، ثم تدعي بعد ذلك أن بلادها. لسبب أو آخر. غير مهيأة بعد التطبيق الديموقراطية، إما لوجود خطر من الشيوعية أو الارهاب، أو بسبب سوء الإدارة الاقتصادية في العهد الديموقراطي البائد، وكان على كل منها أن تصف نفسها بأنها مرحلية مؤقتة إلى حين عودة الديموقراطية في نهاية الأمر (4) .