لقد نشأ نشاؤمنا الراهن بصدد احتمال تقدم التاريخ نتيجة أزمتين مستقلتين وإن كانتا متوازيتين: أزمة السياسة في القرن العشرين، والأزمة الفكرية في المذهب العقلي الغربي. فأما الأولى فقد تسببت في مصرع عشرات الملايين، وأجبرت مئات الملايين على العيش في ظل أشكال جديدة من العبودية أشد قسوة. وأما الثانية فقد خلفت الديموقراطية الليبرالية دون الأسلحة الفكرية اللازمة الدفاعها عن نفسها. وقد كانت الأزمتان مترابطتين، ولا يمكن فهم أيهما دون أخذ الثانية في الاعتبار. فمن ناحية، ترى أن الافتقار إلى الإجماع الفكري قد جعل حروب هذا القرن وثوراته يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، ومن ثم جعلها أشد تطرفا مما كان يمكن أن تكون عليه لولا هذا الافتقار إلى الإجماع، وقد شهدت الثورتان الروسية والصينية والغزوات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، عودة ظهور ذلك النمط من الوحشية الذي ميز الحروب الدينية في القرن السادس عشر، ولكن على نحو أضخم وأفظع. ذلك أن الخطر في قرننا لم يكن يتهدد الأراضي ومصادر الثروة وحدها، وإنما كان يتهدد القيم وأساليب الحياة لدى شعوب بأسرها. ومن ناحية أخرى، فإن العنف في تلك الصراعات القائمة على الايديولوجيات ونتائجه الوخيمة، كان له أثره المدمر في ثقة الديموقراطيات الليبرالية في نفسها، وهي التي أدت بها عزلتها وسط عالم من الأنظمة الشمولية والديكتاتورية إلى إثارة شكوك خطيرة في عالمية مفاهيمها الليبرالية عن الحق.
ومع ذلك، ورغم الأسباب القوية للتشاؤم الذي نجم عن تجاربنا خلال النصف الأول من هذا القرن، فإن أحداث النصف الثاني تشير إلى اتجاه مختلف تماما و غير متوقع. وإذ بتنا الآن في العقد الأخير من القرن، نرى أن العالم ككل لم يكشف عن شرور جديدة، وإنما طرأ عليه تحسن في مجالات واضحة معينة، ومن أبرز المفاجات التي وقعت في الماضي القريب ذلك الانهيار التام غير المتوقع للشيوعية في معظم أنحاء العالم خلال السنوات الأخيرة من الثمانينيات. بيد أن هذا التطور، رغم أهميته، لم يكن غير جزء من نمط أكبر من الأحداث التي كانت تتبلور منذ الحرب العالمية الثانية. فالأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية من كافة الأنواع، يمينية كانت أم يسارية، تتهاوى واحدة إثر أخرى (23) . وقد أدى انهيارها في بعض الحالات إلى تأسيس ديموقراطيات ليبرالية تتمتع بالرخاء والاستقرار.
وشهدنا في حالات أخرى أن سقوط النظم الاستبدادية أعقبه حالة من عدم الاستقرار أو ظهور شكل آخر من الديكتاتورية، ولكن سواء نجحت الديموقراطية في الظهور في نهاية الأمر أم لم تنجح، فبامكاننا القول في ثقة أن الأنظمة الاستبدادية بكافة صنوفها قد مرت وتمر الآن بأزمة قاسية في كل بقاع الأرض تقريبا. وإن كانت أهم بدعة سياسية في أوائل القرن العشرين هي ظهور الدولتين الشموليتين القويتين، المانيا وروسيا، فإن العقود الأخيرة من قرننا قد فضحت الضعف الرهيب في صميم كيانهما. هذا الضعف الخطير وغير المتوقع يوحي بأن الدروس المتشائمة عن التاريخ التي يقال إن قرننا قد علمنا إياها، تحتاج إلى البدء في إعادة التفكير فيها من جديد.