الأمريكية، وعلى الفيتناميين الذين اعتبرت الشيوعية عندهم تراثا قوميا. وكان من رأى الكثيرين من اليساريين أن بوسع نظام اشتراکي راديكالي في العالم الثالث، اكتساب الشرعية حتى مع غياب الانتخابات الحرة والمناقشات الصريحة، بمجرد التركيز على الإصلاح الزراعي، وتوفير الرعاية الصحية المجانية ورفع نسبة المتعلمين. فليس من الغريب إذن، مع انتشار هذه الآراء، أن يتنبأ قليلون فقط من اليساريين بحدوث خلخلة ثورية داخل الكتلة السوفيتية أو في الصين.
والواقع أن الإيمان بشرعية ودوام الشيوعية قد اتخذ عددا من الأشكال الغريبة إبان أفول الحرب الباردة. فقد ذهب أحد الخبراء البارزين بالشؤون السوفييتية إلى أن النظام السوفييتي في ظل بريجنيف قد حقق ما أسماه بالتعددية في المؤسسات، و آن، الزعامة السوفييتية جعلت فيما بيدو الاتحاد السوفييتي أقرب من الولايات المتحدة إلى روح النمط التعددي المعروف في العلوم السياسية الأمريكية , (17) ... فالمجتمع السوفييتي قبل عهد جورباتشوف ولم يكن خاملا ولا سلبيا، وإنما كان مشاركا بكل معنى الكلمة تقريبا، وكان المواطنون السوفييت، يشاركون، في السياسة مشاركة تفوق مشاركة الأمريكيين فيها (18) . وإننا لنلمح نفس النمط من التفكير في كتابات عدد من الخبراء في شؤون أوروبا الشرقية. فالكثيرون منهم - بالرغم مما هو واضح من أن الشيوعية كانت مفروضة على اقطارها. كانوا يرون في تلك الأقطار استقرارا اجتماعيا عظيما، وقد أكد أحد الخبراء في عام 1987، أننا لو قارنا [دول أوروبا الشرقية] بكثير من دول العالم (وعلى سبيل المثال بعدد من أقطار أمريكا اللاتينية) ، فإن تلك الدول الأولى ستبدو مثلا يحتذى من أجل الاستقرار،، وانتقد ذلك الخبير، الفكرة التقليدية عن حزب، غير شرعي و مفروض على شعب معاد له، و غير مصدق لادعاءاته (19) .
بعض هذه الآراء تمثل - بكل بساطة. إسقاطا للماضي القريب على المستقبل. غير أن الكثير منها يقوم على مفهوم خاص بشرعية الشيوعية في أقطار الشرق. فمع كل المشاكل المعترف بوجودها في تلك المجتمعات الشيوعية، فإن حكامها قد توصلوا إلى إبرام عقد اجتماعي، مع شعوبهم، من النوع الذي يسخر منه المثل السوفييتي القائل: «الحكام يتظاهرون بأنهم يدفعون أجورا لنا، ونحن نتظاهر بأننا نعمل (20) ! فلم تكن هذه الأنظمة لا بالمنتجة ولا بالدينامية. ومع ذلك فالبعض يزعم أنها اعتمدت في حكمها على درجة معينة من رضا الجماهير بالنظر الى تهيئتها الأمن والاستقرار لها (21) . وقد كتب العالم السياسي صامويل هانتينجتون عام 1998 يقول:
وإن لدى الولايات المتحدة، وبريطانيا العظمى، والاتحاد السوفيتي، أشكالا مختلفة من نظم الحكم. بيد أن الحكومات في كل من هذه الأنظمة الثلاثة تبسط سيطرتها. ذلك أن كلا من هذه الدول يشكل مجتمعا سياسيا يسوده إجماع طاغ بين الناس على شرعية نظامه السياسي، وفي كل دولة من هذه الدول يتفق المواطنون مع قادتهم حول مفهوم الصالح العام للمجتمع، وحول التقاليد والمبادئ التي هي أساس الجماعة السياسية و (22) .
فبالرغم من أن هانتينجتون لم يكن متعاطفا مع الشيوعية، إلا أنه كان يعتقد أن الشواهد القاطعة تدفعنا إلى القول بأن الشيوعية قد نجحت عبر السنين في اجتذاب قدر من رضا الشعب عنها.