الشمولية الراديكالية اليسارية. فالأولى و لا تمس التوزيع القائم للثروة أو السلطة أو المركز الاجتماعي، وتعبد الالهة التقليدية، وتراعي المحارم التقليدية. أما الدولة الشمولية الراديكالية اليسارية، فتدعى لنفسها الحق في تنظيم كل الجوانب الاجتماعية، وتنتهك القيم والعادات الشائعة،، فالدولة الشمولية، عكس الدولة الديكتاتورية المحضة، قادرة على التحكم في المجتمع بقسوة على نحو يجعلها محصنة ضد التغيير والإصلاح. وبالتالي فإن. تاريخ هذا القرن لا يوفر أي أساس يمكننا أن نبني عليه الأمل في أن تغير الأنظمة الشمولية الراديكالية من نفسها (14) .
وإننا لنلمح وراء هذا الإيمان بدينامية الدول الشمولية افتقارا عميقا إلى الثقة في الديموقراطية. وقد ظهر ضعف الثقة هذا في قول كيركباتريك إنه لن يكتب النجاح إلا لقلة قليلة من دول العالم الثالث غير الديموقراطية إن هي سعت إلى تبني النظام الديموقراطي، (أما احتمال عودة دولة شيوعية إلى الديموقراطية فهو عند كيركباتريك غير قائم أصلا) . كما يظهر ضعف الثقة في الديموقراطية في قول ريفيل إن الديموقراطيات المستقرة القوية في أوروبا وأمريكا الشمالية ينقصها الاقتناع الباطني للدفاع عن نفسها. وقد أشارت كيركباتريك إلى الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العديدة للأخذ بالديموقراطية بنجاح، فانتقدت فكرة إمكان تحويل نظم الحكم في أي وقت وأي مكان الى نظم ديموقراطية، واصفة إياها بأنها نموذج للأفكار الأمريكية البحتة. أما عن فكرة إمكان خلق محور مركزي للديموقراطية في العالم الثالث، فهي عندها فخ ووهم حيث إن التجربة علمتنا أن العالم قد انقسم إلى دول شمولية يمينية ودول شمولية يسارية. أما ريفيل فهو يكرر من جانبه. وبصورة أكثر تطرفا. الانتقاد الذي سبق لتوكفيل أن نكره من آن الديموقراطيات تجد صعوبات خطيرة في سبيل انتهاج سياسات خارجية جادة على مدى طويل (10) . فطبيعتها الديموقراطية ذاتها تشل مساعيها، بسبب تعدد الأصوات فيها، وعدم الثقة في النفس، والنقد الذاتي، وهي أمور تميز المناقشات الديموقراطية. وبالتالي، فإن أسبابا تافهة نسبيا للسخط قد تزعزع و تقلق وتربك وتشمل الديموقراطية على نحو أسرع وأعمق مما تتسبب فيه المجاعات والفقر المستمر في الأنظمة الشيوعية التي لا تتمتع فيها الشعوب بحقوق ملموسة ولا تملك الوسائل لدفع الظلم عن نفسها. إن المجتمعات التي يكون النقد الدائم فيها جزءا لا يتجزأ من سماتها هي وحدها الخليقة بأن يحيا الانسان فيها، غير أنها في نفس الوقت أكثر المجتمعات عرضة للكسر (19) .
وقد توصل اليسار إلى نتيجة مماثلة ولكن عن طريق مغاير، ففي الثمانينات لم يعد معظم و التقدميين، في أوروبا وأمريكا يؤمنون بأن الشيوعية السوفيتية تمثل المستقبل الذي يطمحون إليه على نحو ما كان يؤمن به كثيرون من المفكرين أمثالهم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك فقد استمر اعتقاد السار في شرعية الماركسية اللينينية لشعوب، أخرى، وهي شرعية تزداد عادة بازدياد المسافة الجغرافية والفجوة الحضارية، وعلى ذلك فإنه و إن كان النمط السوفييتي من الشيوعية ليس بالضرورة اختبارا واقعيا لشعب الولايات المتحدة أو بريطانيا، فقد ساد ظن بأنه بديل أصيل للروس بنقاليدهم الأوتوقراطية والسلطة المركزية لديهم، ناهيك عن الصينيين الذين يزعم هؤلاء أنهم تحولوا إلى الشيوعية للتغلب على تراث طويل من السيطرة الأجنبية والتخلف والمذلة، وقد قيل إن هذا ينطبق أيضا على شعني کويا و نيكاراجوا اللذين كانا ضحية للإمبريالية