الصفحة 208 من 376

بعد جيل من الزمن من الوصول إلى المستوى الاقتصادي لألمانيا الشرقية في الستينيات أو السبعينيات. فإن تحقق هذا فلا شك أنه سيكون إنجازا مرموقة، غير أنه علينا أيضا أن نتوقع أن نظل في هذا الوضع بعد ذلك أمدة طويلا. فإن شاء القائد أن يتجاوز مستوى التنمية في ألمانيا الشرقية مع كل ما سيعنيه هذا من تكلفة اجتماعية وبيئية قاصمة للظهر، فعلينا أن نتوقع نشوب ثورة ثانية تنهار بمقتضاها الية التخطيط المركزي الأشتراکي وتحل محلها المؤسسات الرأسمالية من جديد. غير أن هذا لن يكون هو الآخر أمرا سهلا، حيث إن المجتمع وقتئذ سيكون قد أقام نظام تسعير للسلع مخالفة تماما لكل منطق، وسيكون المديرون فيه قد فقدوا الصلة بالممارسات الحديثة في العالم الخارجي، وفقدت الطبقة العاملة ما كان لديها من أخلاقيات العمل، وفي ضوء هذه المشكلات (وهي التي يمكن التنبؤ سلفا بها جميعا) سيكون من الأسهل بدلا من ذلك أن تتحول حرب العصابات إلى حرب من أجل السوق الحرة، تنتقل مباشرة إلى تلك الثورة الرأسمالية الثانية دون مرور بالمرحلة الاشتراكية، وبعبارة أخرى، سيكون عليها هدم بناء الدولة العتيق القائم على التعليمات والبيروقراطية، وزعزعة ثروة وامتيازات ووضع الطبقات الاجتماعية القديمة عن طريق تعريضها لآثار المنافسة الدولية والطاقات الحرة الخلاقة لأفراد المجتمع المدني.

إن منطق العلوم الطبيعية الحديثة التقدمية يميل بالمجتمعات البشرية صوب الرأسمالية بقدر ما يتسنى للبشر رؤية مصالحهم الاقتصادية الذاتية بوضوح. فمذهب التجاربين، ونظرية التبعية وغير ذلك من المذاهب الفكرية الأشبه بالسراب، حالت بين الناس وبين هذه الرؤية الواضحة. غير أن تجارب آسيا وأوروبا الشرقية هي الآن بمثابة حقول اختبار تجريبية هامة ينبغي الحكم في ضوئها على كل مزاعم النظم الاقتصادية المنافسية للرأسمالية.

بوسعنا الآن وفق هذه الآلية أن نفسر ازدهار حضارة استهلاكية عالمية تقوم على أساس من المبادئ الاقتصادية الليبرالية في العالم الثالث والأول والثاني على حد سواء , فالعالم الاقتصادي الإنتاجي الدينامي العظيم الذي خلقته التكنولوجيا المتقدمة والتنظيم العقلاني للعمل يتمتع بقدرة عظيمة على تحقيق التجانس بين الشعوب والدول، وعلى الربط بين المجتمعات المختلفة في عالمنا بفضل إقامة أسواق عالمية، وخلق مطامح وممارسات اقتصادية متوازية في حشد من المجتمعات المتباينة. وستؤدي هذه القدرة الجذابة لهذا العالم إلى غرس استعداد قوي للغاية لدى كافة المجتمعات البشرية للمساهمة والاشتراك فيها، في حين يتطلب نجاح هذه المساهمة تبني مباديء الليبرالية الاقتصادية. وفي هذا بالضبط يكمن سر انتصار أجهزة الفيديو في خاتمة المطاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت