الاقتصاد، ومن سخرية القدر أن يكون الشخص المكلف بهذه المهمة أحد أنصار بيرون، وهو کارلوس منعم
وفي المكسيك يقوم رئيسها کارلوس ساليناس دي جورتاري بمهمة أكثر جرأة من مهمة منعم في الأرجنتين، وهي النهوض بإصلاحات اقتصادية ليبرالية واسعة النطاق، تشمل تخفيض معدلات الضرائب و عجز الميزانية، وتوسيع القطاع الخاص (إذ بيعت 875 شركة من بين 1150 من الشركات التي تملكها الحكومة خلال السنوات ما بين 1982 و 1991) ، والضرب على يد المتهربين من دفع الضرائب وغير ذلك من أشكال الفساد من جانب الشركات و البيروقراطيين ونقابات العمال، والدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة من أجل إبرام اتفاقية للتجارة الحرة. وكانت نتيجة ذلك في ختام الثمانينيات أن أضحي النمو الحقيقي للناتج القومي الإجمالي ما بين 3 و 4 في المائة على مدى ثلاث سنوات متتابعة، وخفض معدل التضخم إلى ما يقل عن عشرين في المائة، وهو معدل منخفض جدا بالمقاييس التاريخية ومقاييس المنطقة (27) . .
فالاشتراكية إذن لم تعد مغرية كنموذج اقتصادي للدول النامية أكثر مما هي مغرية للمجتمعات الصناعية المتقدمة. لقد كان البديل الاشتراكي يبدو منذ ثلاثين أو أربعين عاما أكثر قبولا، وكان قادة دول العالم الثالث (في الحالات التي كانوا فيها من الأمانة بحيث اعترفوا بفداحة الثمن البشري للتحديث على غرار ما فعله السوفييت أو الصينيون) يبررون أخذهم بالاشتراكية بأن هدفهم هو تصنيع البلاد، فمجتمعاتهم كان يعمها الجهل والعنف والتخلف والفقر، وهو ما دفعهم إلى القول بأن تحديث الاقتصاد في ظل ظروف رأسمالية له ثمنه الباهظ هو أيضا، وبأنه ليس بوسع مجتمعاتهم الانتظار عشرات السنين، وهي المدة التي استغرقها التصنيع في أوروبا والولايات المتحدة.
غير أن هذه الحجة تبدو اليوم واهية. فدول الاقتصادات المصنعة حديثا في آسيا، بتكرارها التجربتي ألمانيا واليابان في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أثبتت أن الليبرالية الاقتصادية تسمح للوافدين المتأخرين عليها باللحاق بالدول التي سبقتهم بل وبتجاوزها، وأن هذا الهدف يمكن تحقيقه خلال جيل أو جيلين. ورغم أنها عملية لها ثمنها، فإن المشاق ومظاهر الحرمان التي عانت منها الطبقات العاملة في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان و هونج كونج لا تقاس بما عاناه شعبا الاتحاد السوفييتي والصين من إرهاب اجتماعي واسع المدى.
وتوحي التجارب الحديثة للاتحاد السوفيتي والصين ودول أوروبا الشرقية في مجال تحويل اقتصاداتها الموجهة مركزيا إلى نظم السوق بأن ثمة مجموعة من الاعتبارات الجديدة لابد من أن تردع الدول النامية عن اختيار الطريق الاشتراكي للتنمية، فليفترض أحدنا أنه قائد الحرب عصابات في أدغال بيرو أو إحدى مدن جنوب إفريقيا الصغيرة، يدبر ثورة ماركسية لينينية أو ماوية ضد حكومة الدولة، فكما في عامي 1917 و 1949 ستكون ثمة حاجة إلى الاستيلاء على السلطة واستخدام أجهزة القهر التي تملكها الدولة من أجل هدم النظام الاجتماعي القديم وإقامة مؤسسات اقتصادية مركزية جديدة. غير أنه علينا أيضا أن نتوقع (مع افتراض أمانة تفكير قائد حرب العصابات) أن تكون ثمار هذه الثورة الأولى محدودة بالضرورة، وأن يتطلع القائد إلى تمكن بلاده