الصفحة 204 من 376

في ليما حاول تأسيس مصنع من وحي الخيال وفق القواعد القانونية الرسمية التي حددتها حكومة بيرو. كان عليه أن يمر بأحد عشر إجراء بيروقراطيا تستلزم 289 يوما وتكلفة قدرها 1231 دولارا في صورة رسوم ومصاريف ضائعة (من بينها رشوتان) ، أو ما يعادل 32 ضعفأ لأدنى مرتب شهري (24) ، ويذهب دو سوتو إلى أن الحواجز التي تمثلها الإجراءات التنظيمية في سبيل إقامة مؤسسة تجارية جديدة تشكل عقبة رئيسية في وجه المبادرات التجارية في بيرو، خاصية من جانب الفقراء، وتفسر الدراسة أسباب ازدهار اقتصاد ضخم و غير رسمي و (أي غير قانوني أو خارج على القانون) يتولاه أناس عازفون أو عاجزون عن تقبل الحواجز المفروضة من الدولة على التجارة، وتحوي كل اقتصادات أمريكا اللاتينية الهامة قطاعات غير رسمية، كبيرة تنتج نحو ربع إلى ثلث الناتج القومي الاجمالي. ولا حاجة بنا إلى القول بأن دفع النشاط الاقتصادي في قنوات غير قانونية لا يتيح الفرصة لظهور كفاءة اقتصادية. أو كما يقول الروائي ماريو فارجاس لوزا: ا من أشهر الخرافات التي يصدقها الناس عن أمريكا اللاتينية أن تخلفها ناجم عن فلسفة الليبرالية الاقتصادية الخاطئة والحقيقة في رأي لوزا أن مثل هذه الليبرالية لم يكن لها وجود في أي وقت من الأوقات. أما ما هو موجود فشكل من أشكال مذهب التجاريين، أي د دولة بيروقراطية مثقلة بالقوانين ترى أن توزيع الثروة القومية أهم من إنتاج الثروة،، وتتخذ فيها عملية إعادة التوزيع صورة، امتيازات الاحتكارات ووضع الأولى بالرعاية، وهو ما تستأثر به صفوة صغيرة تعتمد على الدولة وتعتمد الدولة نفسها عليها , (20) .

ولا حصر لحالات تدخل الدولة المأساوي في الشؤون الاقتصادية في أمريكا اللاتينية. وأفظع مثال لذلك هو مثل الأرجنتين التي كان نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي عام 1913 يعادل نصيب الفرد في سويسرا، وضعف نظيره في إيطاليا، ونصف نظيره في كندا، ولكن أرقام النسب المناظرة أصبحت الآن سدس المعدل السويسري، وثلث المعدل الإيطالي، وخمس المعدل الكندي، ويمكن تفسير تدهور الأرجنتين طويل الأمد من حال الازدهار إلى حال التخلف، بتبنيها السياسة إحلال الواردات کرد فعل للأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينيات. وهي سياسة ازرها وقتنها نظام خوان بيرون في الخمسينيات، وهو النظام الذي استخدم أيضا سلطان الدولة كي يعيد توزيع الثروة لصالح الطبقة العاملة كوسيلة لتعزيز قاعدة سلطة بيرون الشخصية. ولن نجد مثالا القدرة الزعماء السياسيين على رفض مقتضيات الواقع الأقتصادي في عناد، أفضل من الخطاب الذي كتبه بيرون عام 1953 إلى كارلوس إيبانيز رئيس جمهورية شيلي ينصحه فيه فيقول:

و أعط كل ما تستطيع الناس، خاصة العمال. وإذا بدا لك أنك أعطيتهم أكثر مما ينبغي فاعطهم المزيد. وسترى نتيجة ذلك. سيحاول الجميع أن يخيفوك بشبح الانهيار الاقتصادي. غير أنهم كاذبون. فليس ثمة ما هو أكثر مرونة من الاقتصاد الذي يخيف الجميع لمجرد أنهم جهلة به و (24) .

ومن العدل أن نقول إن التكنوقراطيين الأرجنتينيين يفهمون الأن طبيعة اقتصادهم، أفضل مما فهمها بيرون. وتواجه الأرجنتين الأن مهمة ضخمة في التخلص من تراث هيمنة الدولة على

د.1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت