الصفحة 202 من 376

فبينما ورثت أمريكا الشمالية فلسفتها وتقاليدها وثقافتها عن انجلترا الليبرالية وهي تخرج من الثورة الأمريكية المجيدة، نجد أن أمريكا اللاتينية قد ورثت الكثير من المؤسسات الاقطاعية عن أسبانيا والبرتغال في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ومن بين ما ورثته ميل الملكية في كل من أسبانيا والبرتغال القوي إلى التحكم في النشاط الاقتصادي للإعلاء من مجدها عن طريق تبني مذهب التجاربين. ويقول أحد الإخصائيين إنه و منذ زمن الاستعمار إلى وقتنا هذا، لم تكن الحكومة [البرازيلية] أبدأ بعيدة عن مجال النشاط الاقتصادي، مثلما كانت أوروبا في المرحلة التالية على التجاريين .. فقد كان التاج هو الراعي الأكبر للاقتصاد، وكانت كل الأنشطة التجارية والانتاجية تعتمد على تراخيص خاصة، ومنح للاحتكارات، وامتيازات تجارية و (20) . وقد غدا من الشائع في أمريكا اللاتينية استخدام سلطان الدولة في خدمة المصالح الاقتصادية للطبقات العليا التي كانت تحذو حذو الطبقات العليا القديمة في أوروبا من أصحاب الأراضي المترفين، دون الطبقة المتوسطة الأوسع حيلة ونشاطا التي ظهرت في انجلترا وفرنسا في مرحلة تالية للغزو الأسباني لأمريكا اللاتينية. هذه الصفوة كانت تحميها الحكومات من المنافسة الدولية عن طريق سياسات إحلال الواردات، وهي سياسات تبناها العديد من حكومات أمريكا الجنوبية منذ الثلاثينيات إلى الستينيات. وكان من شأن هذه السياسات قصر نشاط المنتجين المحليين على الأسواق الداخلية الصغيرة حيث لم يكن بوسعهم إقامة اقتصادات تستطيع أن تحقق وفورات الحجم الكبير. ويكفي أن نذكر هنا أن تكلفة إنتاج سيارة في البرازيل أو الأرجنتين أو المكسيك مثلا كانت تزيد بما بين 60 في المائة و 150 في المائة عن تكلفتها في الولايات المتحدة (21) .

وقد ارتبط الميل التاريخي العريق إلى مذهب التجاريين في القرن العشرين برغبة القوى التقدمية في أمريكا اللاتينية في استخدام الدولة أداة لإعادة توزيع الثروة بين الأغنياء والفقراء لصالح

العدالة الاجتماعية (22) . وقد اتخذت هذه الرغبة عدة صور منها التشريع العمالي في دول مثل الأرجنتين والبرازيل وشيلي في الثلاثينيات والأربعينيات، الذي كان يناهض إنشاء صناعات كثيفة العمالة وهي الصناعات التي كان لها الفضل الأكبر في النمو الاقتصادي الآسيوي، وهكذا التقى اليسار واليمين في إيمانهما بالحاجة إلى تدخل كبير من جانب الحكومة في الشؤون الاقتصادية. وكانت نتيجة هذا التلاقي هو أن أضحى الكثير من اقتصادات أمريكا اللاتينية وقد هيمن عليه القطاع العام المتضخم وغير الفعال، وهو القطاع الذي حاول إما إدارة النشاط الاقتصادي بصورة مباشرة أو إثقال هذا النشاط بحشد من التنظيمات والتعليمات المفروضة من أعلى، ففي البرازيل لا تكتفي الدولة بإدارة البريد والاتصالات، وإنما تقوم أيضا بصناعة الصلب، واستخراج الحديد والبوتاس، وتنقب عن النفط، وتدير البنوك التجارية والاستثمارية، وتولد الطاقة الكهربائية، وتصنع الطائرات. ولا يمكن لشركات القطاع العام هذه أن تفلس، وإنما هي تستخدم توظيف العمالة كصورة من صور الرعاية السياسية. أما عن الأسعار في كافة مجالات الاقتصاد البرازيلي، خاصة في القطاع العام، فلا تحددها مقتضيات السوق قدر ما تحددها مفاوضات السياسيين مع النقابات القوية (23) .

أو لتنظر إلى بيرو، يتحدث هيرناندو دو سوتو في كتابه (الدرب الأخر، عن كيف أن معهده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت