الصفحة 200 من 376

الا الرأسمالية، هي أصل هذا النجاح (17) . بيد أنه في حين يلعب التخطيط الاقتصادي دورة أكبر نسبية في الدول الآسيوية من دوره في الولايات المتحدة، فإن القطاعات الأكثر نجاحا في الاقتصادات الآسيوية هي تلك التي تسمح بأعلى درجة من التنافس في الأسواق المحلية ومن الاندماج في الأسواق العالمية (18) . كذلك فإن معظم اليساريين الذين يشيرون إلى آسيا باعتبارها المثل الإيجابي لتدخل الدولة في الاقتصاد، لن يكون بوسعهم قبول الأسلوب الأسيوي شبه الاستبدادي في التخطيط وفي قمع المطالب العمالية والمطالبة برفع مستوى المعيشة. أما نمط التخطيط الذي يفضله اليسار، وهو التدخل لحماية ضحايا الرأسمالية، فلم يحدث أن حقق أبدا مثل هذه النتائج الاقتصادية الواضحة.

وتبين لنا المعجزة الاقتصادية الآسيوية في سنوات ما بعد الحرب أن الرأسمالية هي طريق متاح لكافة الدول من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية. ذلك أنه ما من دولة متخلفة من دول العالم الثالث هي في وضع سييء لمجرد أنها بدأت عملية الإنماء متأخرة عن أوروبا، وما من دولة صناعية راسخة هي في وضع يمكنها من الحيلولة دون تنمية دولة وقت متأخرة، شرط أن تلتزم هذه الدولة الثانية بقواعد لعبة الليبرالية الاقتصادية.

فإن لم يكن و النظام العالمي و الرأسمالي عقبة في سبيل التنمية الاقتصادية بالعالم الثالث، فما السبب إذن في أن الاقتصادات الأخرى غير الآسيوية الآخذة باعتبارات السوق لم تحقق نموا سريعا کنمو الدول الاسيوية؟ فظاهرة الركود الاقتصادي في أمريكا اللاتينية وغيرها من أنحاء العالم الثالث هي ظاهرة في وضوح ظاهرة النجاح الاقتصادي الأسيوي، وهي التي كانت مسؤولة في المقام الأول عن ظهور نظرية التبعية. فإن نحن رفضنا التفسيرات الماركسية الجديدة، كنظرية التبعية، بقيت أمامنا إجابتان عريضتان محتملتان:

فأما الأولى فتفسير حضاري يذهب إلى أن العادات والتقاليد و الديانات و البناء الاجتماعي لشعوب مناطق مثل أمريكا اللاتينية هي إلى حد ما عائق في سبيل تحقيق مستويات أعلى من النمو الاقتصادي، عكس الحال مع شعوب آسيا أو أوروبا (19) . هذه الحجة الحضارية حجة هامة سنعود إليها في الجزء الرابع من الكتاب. يكفي أن نقول هنا إنه إذا كان ثمة عوائق حضارية هامة دون نجاح اقتصاد السوق في مجتمعات معينة، فإن عالمية الرأسمالية كوسيلة لتحقيق التحديث الاقتصادي هي أمر مشكوك فيه.

أما التفسير الثاني فسياسي، وهو أن الرأسمالية لم تنجح في أمريكا اللاتينية وغيرها من المناطق في العالم الثالث لا لشيء إلا لأنه لم تبذل أية محاولة جادة لتجربتها. فغالبية الاقتصادات التي يقال إنها رأسمالية في دول أمريكا اللاتينية، يشلها أخذها بتقاليد مذهب التجاريين و انتشار مؤسسات القطاع العام التي أقامتها الدولة بحجة حماية العدالة الاقتصادية. ولهذه الحجة وجاهتها وقوتها. وحيث إن السياسة أكثر عرضة للتغير من الحضارات، فالواجب علينا أن نبدأ بالنظر في هذه الحجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت