الاقتصاد الليبرالي: إذ بينما و استغلت، الأيدي العاملة الرخيصة في آسيا، فقد زودت آسيا مقابل ذلك بالأسواق ورأس المال و التكنولوجيا، فكانت بذلك أداة لنشر التكنولوجيا التي أسهمت في النهاية في تحقيق نمو مطرد للاقتصادات المحلية. وربما كان هذا هو السبب الذي دفع أحد كبار المسئولين في سنغافورة إلى القول بأن ثمة ثلاث جماعات تمقتها بلاده ولن تسمح أبدأ بها: الهيبيز، والصبية ذوي الشعر الطويل، ومنتقدي الشركات متعددة الجنسية! (12) .
وقد كان سجل نمو هؤلاء الوافدين الجدد على الحداثة مذهلا حقا. فقد كان المعدل السنوي للتنمية في اليابان 9?8 في المائة في الستينيات، و 6 في المائة في السبعينيات. أما النمور الأربعة،، (وهي هونج كونج، وتايوان، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية) فكان معدل النمو السنوي فيها عن نفس الفترة هو 9?3 في المائة، ومعدل النمو في بلدان رابطة أمم جنوب شرق آسيا في مجموعها أكثر من 8 في المائة (13) . وبوسع المرء أن يعقد. بصدد أسيا. مقارنات مباشرة بين الأداء النسبي للأنظمة الاقتصادية البديلة. فقد بدأت تايوان وجمهورية الصين الشعبية كيانيهما المنفصلين
عام 1949، وفيهما نفس مستوى المعيشة تقريبا. وفي ظل نظام السوق زاد الناتج القومي الإجمالي الحقيقي في تايوان بمعدل 8?7 في المائة في السنة، مما بلغ معه نصيب الفرد من الناتج القومي الاجمالي ما يقدر بسبعة الاف وخمسمائة دولار في عام 1989، مقابل نحو 350 دولارا للفرد في جمهورية الصين الشعبية (مع العلم بأن شطرا كبيرا من هذا المبلغ مدين للإصلاحات على مدى قرابة عقد نظف من الزمن من أجل الأخذ باقتصادات السوق) ، وقد كان بكل من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية عام 1960 نفس المستوى من نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي. غير أن كوريا الجنوبية تخلت عام 1961 عن سياسة إحلال الواردات و ايجاد بديل لها، وقاربت بين الأسعار المحلية والأسعار الدولية، فنما الاقتصاد فيها بعد ذلك بمعدل 8?4 في المائة في العام الواحد، مما رفع نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي إلى 4550 دولارة، أي أكثر من أربعة أضعاف مستواه في الشمال (14) .
كذلك فإن النجاح الاقتصادي لم يتحقق على حساب العدالة الاجتماعية في الداخل. لقد قيل إن الأجور في آسيا منخفضة إلى حد الاستغلال، وأن الحكومات هناك تنتهج سياسات تعسفية من أجل قمع الطلب على الاستهلاك وزيادة معدلات المدخرات بنسبة عالية جدا. غير أنه سرعان ما تحققت المساواة في توزيع الدخول في بلد إثر أخر، حين وصلت هذه الدول إلى مستوى معين من الرخاء (10) ، وقد تمكنت تايوان وكوريا الجنوبية من الحد من عدم المساواة في الدخل خلال الجيل الماضي، ففي حين كان دخل شريحة الخمس العليا في تايوان عام 1952 تعادل خمسة عشر ضعفا من دخل شريحة الخمس الدنيا، انخفض الفارق بحلول عام 1980 إلى أربعة أضعاف ونصف (19) . فإن استمر معدل النمو في سائر دول رابطة جنوب شرق آسيا مقاربا لما هو عليه الآن، فلن يكون ثمة حائل بينها وبين تحقيقها نفس الشيء في الجيل التالي.
وقد بذل بعض أنصار نظرية التبعية محاولة أخيرة من أجل إنقاذها، فذهبوا إلى أن النجاح الذي حققته اقتصادات الدول الاسيوية حديثة التصنيع يعود إلى التخطيط، وأن السياسات الصناعية،