الصفحة 196 من 376

وقد كانت السياسات الناجمة عن نظرية التبعية أبعد ما تكون عن الليبرالية. فأما و القائلون بالتبعية و الأكثر اعتدالا فقد دعوا إلى تجاوز الشركات الغربية متعددة الجنسية بتشجيع الصناعة"المحلية وإقامة حواجز عالية من الجمارك على السلع المستوردة، وهو ما يسمى بإحلال الواردات. أما الحلول التي يوصي بها، القائلون بالتبعية، الأكثر راديكالية فتسعى إلى زعزعة النظام الاقتصادي العالمي عن طريق الدعوة إلى الثورة والانسحاب من النظام التجاري الرأسمالي، والارتباط بالكتلة السوفييتية على غرار ما فعلته كوبا (10) . وهكذا نرى أنه في بداية السبعينيات، حين كان الناس ينظرون إلى الأفكار الماركسية باعتبارها أساسأ واهنة للمجتمعات الحقيقية تأخذ به دول كالصين والاتحاد السوفييتي، حاول مثقفون في العالم الثالث وفي جامعات أمريكية وأوروبية أن يعيدوا إليها الحياة باعتبارها أساسا لمستقبل العالم الفقير."

غير أنه بالرغم من استمرار تعلق بعض المثقفين اليساريين بنظرية التبعية، فقد زعزعت من كونها مثالا نظريا، ظاهرة ضخمة لا يمكن لهذه النظرية تفسيرها، ألا وهي التنمية الاقتصادية في شرقي آسيا في فترة ما بعد الحرب. فالنجاح الاقتصادي الأسيوي، بصرف النظر عما حققه من فوائد مادية للدول الآسيوية، له الفضل في هزيمة أفكار باطلة مثل نظرية التبعية كانت على وشك أن تصبح عقبات في سبيل النمو بحيلولتها دون التفكير السليم في جذور التنمية الاقتصادية. فلو أنه صح ما تدعيه نظرية التبعية من أن تخلف العالم الثالث يعود إلى مشاركة الدول الأقل تقدمة في النظام الرأسمالي العالمي، فكيف يمكننا أن تفسر ذلك النمو الاقتصادي المذهل في بلاد مثل كوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة وماليزيا وتايلاند؟ ذلك أنه بعد انتهاء الحرب تخلت كل هذه الدول تقريبا و عامدة عن سياسات الاكتفاء الذاتي الاقتصادي وإحلال الواردات التي كانت وقتها تجتاح أمريكا اللاتينية، وانتهجت عوضأ عنها سياسة التنمية من أجل التصدير، بعزم لا مثيل له، متعمدة أن تربط بين نفسها وبين الأسواق الأجنبية ورأس المال الأجنبي عن طريق صلاتها بالشركات متعددة الجنسية (11) . ولا يمكن لأحد أن يزعم أن هذه الدول كان لديها ميزة غير عادلة بالنظر إلى امتلاكها لموارد طبيعية أو لرأس مال متراكم من ماضيها. فالحقيقة هي أن هذه الدول. على عكس الدول الغنية بنفطها في الشرق الأوسط، أو دول غنية بمعادنها كبعض أقطار أمريكا اللاتينية. دخلت السياق دون أن تملك شيئا غير القدرات البشرية لدى مواطنيها.

وقد أوضحت التجربة الآسيوية بعد الحرب أن الوافدين المتأخرين على ميدان التحديث، لديهم بالفعل ميزة على الدول الصناعية الأكثر رسوخة، وهو ما تنبأت به في الماضي النظريات التجارية الليبرالية، فقد كان بوسع الوافدين المتأخرين على ميدان التحديث، بدءا باليابان، شراء أحدث ثمار التكنولوجيا من الولايات المتحدة وأوروبا، وأن يصبحوا في ظرف جيل أو جيلين منافسين (ربما أكثر مما ينبغي في رأي أمريكيين كثيرين!) في ميادين التكنولوجيا الراقية، خاصة أنه لم يكن يثقل كاهلهم بنية أساسية عتيقة وغير فعالة. ولا ينطبق هذا على آسيا في مواجهة أوروبا وأمريكا الشمالية فحسب، وإنما ينطبق كذلك على المجال الاسيوي نفسه، حيث نجد دولا مثل تايلاند وماليزيا دخلت ميدان التنمية متأخرة عن اليابان وكوريا الجنوبية، لا تعاني من أية خسارة نتيجة لذلك، وقد كان تصرف الشركات متعددة الجنسية الغربية مطابقة للشروط الواردة في كتب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت