الصفحة 194 من 376

التي ظهرت أولا في أمريكا اللاتينية. وقد أضفت هذه النظرية طابعة فكريا متسقة على رغبة الجنوب الفقير في تأكيد ذائه في مواجهة الشمال الغني المصنع، وذلك خلال الستينيات والسبعينيات. وقد تحالفت نظرية و التبعية، مع الحركة الوطنية في الجنوب فاكتسبت قوة لا تبررها جذورها الفكرية، وكان لها تأثير ضار في إمكانات التنمية الاقتصادية في أنحاء كثيرة من العالم الثالث لمدة جيل.

وقد كان لينين نفسه هو الأب الحقيقى لنظرية التبعية. ففي كتيبه الشهير الذي نشره عام 1914 بعنوان: الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية، سعى إلى تفسير حقيقة أن الرأسمالية الأوروبية لم تؤد إلى إفقار مطرد للطبقة العاملة، بل سمحت بارتفاع مستوى معيشتها وتحويل عمال أوروبا إلى عمال قانعين إلى حد معقول بحالهم وتضمهم نقابات لهم (2) . وقال لينين إن الرأسمالية أجلت نهايتها بتصديرها الاستغلال إلى المستعمرات حيث يمكن للعمال المحليين والمواد الخام بها أن تستوعب، فانض رأس المال، الأوروبي. وقد أدى التنافس بين و الرأسماليين الأحتكاريين، إلى تقسيم سياسي للعالم المتخلف، ثم إلى الصراع والحرب والثورة فيما بينهم، وذهب لينين (مخالفا بذلك ماركس) إلى أن التناقض الختامي الذي سيطيح بالرأسمالية ليس هو الصراع الطبقي داخل العالم المتقدم، ولكنه الصراع بين الشمال المتقدم و البروليتاريا العالمية، في العالم المتخلف.

ورغم ظهور مدارس مختلفة عديدة قائمة على نظرية التبعية خلال الستينيات (3) ، فجميعها مدينة لمؤلفات الاقتصادي الأرجنتيني راءول بريبيش الذي رأس اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية التابعة للأمم المتحدة خلال الخمسينيات (4) ، ثم رأس مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. وقد ذهب بريبيش إلى أن شروط التجارة بين دول، الأطراف، ودول المركز تزداد اجحافا بالأولى الصالح الأخيرة، وأن تباطؤ النمو في مناطق العالم الثالث مثل أمريكا اللاتينية، هو نتيجة للنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الذي يبقى العالم الثالث في حالة دائمة من «التنمية التابعة (2) .وعلى تلك فإن ثراء الشمال متصل اتصالا مباشرة بفقر الجنوب (6) .

أما النظرية الليبرالية الكلاسيكية في التجارة فتذهب إلى أن الاشتراك في نظام مفتوح للتجارة الدولية يحقق أقصى فائدة للجميع، حتى لو أن دولة باعت حبوب البن وباعت أخرى أجهزة الكومبيوتر، بل إن الدول المتخلفة اقتصادية التي تشترك متأخرة في هذا النظام تتحقق لها امتيازات معينة في التنمية الاقتصادية حيث يصبح بمقدورها أن تستورد ببساطة تكنولوجيا الدول السابقة في هذا المضمار دون حاجة إلى ابتداعها لهذه التكنولوجيا بنفسها (7) . غير أن نظرية التبعية ترى أن التأخر في التنمية يحكم على الدولة بالتخلف الأبدي. فهي ترى أن الدول المتقدمة تتحكم في معدلات التبادل التجاري، وتجبر دول العالم الثالث. عن طريق الشركات متعددة الجنسية. على انتهاج سبيل ما سمي بالتنمية غير المتوازنة، أي تصدير المواد الخام والسلع الأخرى المماثلة التي تضم عنصر تجهيز ضئيل. فقد أغلق الشمال المتقدم السوق العالمية وقصرها على السلع المتقدمة تكنولوجيا كالسيارات والطائرات، تاركا أبناء العالم الثالث: يقطعون الخشب ويضخون الماء , (8) . ويربط الكثيرون من أصحاب نظرية التبعية بين النظام الاقتصادي العالمي، وبين النظم الاستبدادية التي عرفتها أمريكا اللاتينية في الحقبة الأخيرة عقب الثورة الكوبية (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت