وفاة فرانكو كان معدل نمو الاقتصاد الاسباني في العام الواحد هو 7?1 في المائة، يليه مباشرة معدل النمو في البرتغال (6?2 في المائة) واليونان (6?4 في المائة) (3) . وكان التغير الاجتماعى الناتج عن التصنيع مثيرة حقا. ففي أسبانيا عام 1950 كان 18 في المائة فقط من مجموع السكان هم الذين يعيشون في مدن يزيد تعدادها على مائة ألف نسمة، وزادت النسبة عام 1970 إلى 34 في المائة (4) . وفي عام 1950 نجد أن نصف سكان أسبانيا والبرتغال واليونان كانوا يعملون بالزراعة بالمقارنة بأربعة وعشرين في المائة في أوروبا الغربية في مجموعها. فما أن حل عام 1970 حتى وجدنا اليونان وحدها هي التي يزيد فيها هذا الرقم على 34 في المائة. بينما انخفضت النسبة في أسبانيا إلى 21 في المائة (5) . وقد واكب اتساع بناء المدن، مسئوي أعلى من التعليم وزيادة دخل الفرد وإقبال على الحضارة الاستهلاكية التي بدأت تظهر في دول الاتحاد الأوروبي. ورغم أن هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية لم تحقق هي نفسها درجة أعلى من التعددية السياسية، فقد خلقت المناخ الاجتماعي الذي يمكن للتعددية في ظله أن تزدهر حالما تنضج الظروف السياسية، وقد تقل عن لوريانو لوبيز رودو الذي أشرف في عهد فرانكو على تنفيذ خطة التنمية الاجتماعية وعلى جوانب كثيرة من الثورة التكنوقراطية الأسبانية، قوله إن أسبانيا ستكون مهيأة للديموقراطية حين يصل متوسط دخل الفرد إلى 2000 دولار. وقد كان هذا القول نبوءة صادقة، ففي عام 1974، عشية وفاة فرانكو، بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 2446 دولارا (1) .
وفي آسيا أيضا قامت نفس الصلة بين النمو الاقتصادي والديموقراطية الليبرالية. لقد كانت اليابان، وهي أول دولة في شرقي آسيا تتبنى الحداثة، أول دولة تحقق الديموقراطية الليبرالية المستقرة، صحيح أنها حققتها باستخدام القوة، إن جاز هذا الوصف، غير أن النتيجة كانت مستقرة وجاوزت الحد الذي كان يمكن أن يقال معه إن الديموقراطية مفروضة في اليابان بالقوة. كذلك حدثت تغيرات ضخمة في الأنظمة السياسية لتايوان وكوريا الجنوبية اللتين تعرفان ثاني وثالث أعلى مستوى للتعليم النصيب الفرد من الدخل القومي الاجمالي (7) . ففي تايوان مثلا، نجد أن 45 في المائة من أعضاء اللجنة المركزية لحزب جو ميندانج الحاكم من الحاصلين على شهادات عليا، والكثيرون منهم حصلوا عليها في الولايات المتحدة (8) . كذلك نال قسطا من التعليم العالي 45 في المائة من أفراد شعب تايوان، و 37 في المائة من سكان كوريا الجنوبية، بالمقارنة بستين في المائة من الأمريكيين، و 22 في المائة من البريطانيين. والواقع أن أعضاء برلمان تايوان الأصغر سنا و الأكبر حظا من التعليم هم أقوى الداعين إلى أن يكون هذا البرلمان مؤسسية أفضل تمثيلا للشعب. أما عن أستراليا ونيوزيلاندا، وهما دولتا الاستيطان الأوروبي في آسيا، فقد عرفتا تحديث الاقتصاد و انتهاج الديموقراطية قبل الحرب العالمية الثانية بمدة طويلة.
وفي جنوب إفريقيا، أن نظام الفصل العنصري بعد انتصار حزب د. ف. مالان الوطني عام 1948. وقد كان مجتمع الأفريقان من ذوي الأصل الأوروبي، والذي يمثله الحزب متخلفا للغاية وفق المعايير الاجتماعية والاقتصادية، خاصة إذا قورن بالمجتمعات الأوروبية المعاصرة