له. فقد كان هؤلاء السكان البيض في تلك الفترة يتكونون أساسا من مزارعين فقراء غير متعلمين اضطرهم الجفاف وشظف العيش مؤخرا إلى سكنى المدن (9) . وقد استخدموا وصولهم إلى السلطة التحسين أحوالهم الاجتماعية و الاقتصادية، وذلك عن طريق الخدمة في القطاع العام بصفة أساسية.
غير أنهم في الفترة ما بين عامي 1948 و 1988 تحولوا على نحو مثير إلى شعب حضري متعلم يزيد باطراد عدد أفراده من الموظفين المكتبين الطموحين (10) . وأدى ارتفاع مستوى تعليمهم إلى زيادة اطلاعهم على الممارسات والاتجاهات السياسية في العالم الخارجي الذي لم يكن بمقدورهم البقاء بمعزل عنه، وبدأ اتجاه مجتمع جنوب إفريقيا صوب الليبرالية في أواخر السبعينيات بإعادة الشرعية إلى نقابات عمال السود والتخفيف من وطأة قوانين الرقابة، فما أن حل فبراير 1990 وقام ف. و. دى كليرك باتصالاته بحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، حتى كانت الحكومة في الكثير من توجهاتها تستلهم رأى الناخبين البيض الذين لم يعد ثمة فارق كبير بينهم وبين نظرائهم في أوروبا وأمريكا سواء من حيث مستوى التعليم أو طبيعة النشاط.
كذا مر الاتحاد السوفييني بتغير اجتماعي مماثل ولو أنه كان أبطأ خطي من التغير في البلدان الأسيوية. لقد تحول من مجتمع زراعي إلى مجتمع حضري وارتفع فيه مستوى التعليم الجماهيري والتخصصي (1) . وكانت هذه التغيرات الاجتماعية التي حدثت في خلفية الصورة وقت الحرب الباردة في برلين وكوبا، حافزا على ما اتخذ فيما بعد من خطوات في سبيل تبني النظم الديموقراطية.
ولو ألقينا نظرة على العالم من حولنا للاحظنا أنه لا تزال ثمة علاقة متبادلة بالغة القوة بين التحديث الاجتماعي والاقتصادي الزاحف وبين بزوغ الديموقراطيات الجديدة. وقد كانت أكثر المناطق تقدما في المجال الاقتصادي تقليديا، وهي أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، هي أيضا صاحبة أعرق الديموقراطيات الليبرالية وأكثرها استقرارا. ثم تلتها أوروبا الجنوبية التي حققت ديموقراطية مستقرة خلال السبعينيات من هذا القرن. وقد كان تحول البرتغال من بين دول أوروبا الجنوبية إلى الديموقراطية في منتصف السبعينيات هو أكثر التحولات صعوبة وعسرا نظرا إلى أنها بدأت من قاعدة اجتماعية واقتصادية أدني في مستواها، فكان عليها أن تشهد تعبئة اجتماعية لاحقة لا سابقة لنهاية النظام القديم، وتلى أوروبا في المجال الاقتصادي الدول الآسيوية التي تمت الديموقراطية (أو هي في سبيل تبنيها) بقدر يتناسب مع قدر التنمية فيها. أما في الدولة الشيوعية السابقة بأوروبا الشرقية، فإن أكثرها تقدما في المجال الاقتصادي (أي ألمانيا الشرقية والمجر وتشيكوسلوفاكيا تليها بولندا) ، فنشهد فيها تحولا سريعة إلى الديموقراطية الكاملة، بينما اتجهت كافة الدول الأقل نموا (وهي بلغاريا ورومانيا و الصرب و ألبانيا) إلى انتخاب شيوعيين إصلاحيين خلال عامي 1990 و 1991. وأما الاتحاد السوفييتي فإن مستوى التنمية فيه يعادل تقريبأ مستواه في الدول الأكبر حجما في أمريكا اللاتينية كالأرجنتين و البرازيل و شيلي و المكسيك، وقد فشل مثلها في تحقيق نظام ديموقراطي عظيم الدرجة من الاستقرار. وأما عن إفريقيا، وهي أقل مناطق العالم تقدمأ، فليس فيها غير حفنة من الديموقراطيات حديثة الظهور، وهي التي لا يمكن الثقة في تمتعها بالاستقرار (12) .