الصفحة 216 من 376

ويبدو أن المنطقة الوحيدة التي تشد عن القاعدة في منطقة الشرق الأوسط التي ليس بها ديموقراطيات راسخة، وتحوي مع ذلك عددا من الدول يتمتع الفرد فيها بدخل يعادل بخل الأوروبي أو الاسيوي، غير أنه يمكن تفسير ذلك بسهولة بوجود النفط فيها، فالدخل الناجم عن النفط يسمح الدول مثل المملكة العربية السعودية والعراق وإيران والإمارات العربية المتحدة بامتلاك مظاهر الحداثة، كالسيارات وأجهزة الفيديو ومقاتلات الميراج و غيرها، دون أن تمر مجتمعاتها بالتغيرات الاجتماعية التي تنجم في العادة عن توليد مثل هذه الثروات بفضل عمل سكانها.

وتساق ثلاثة أنواع من الحجج للتدليل على أن التصنيع المتقدم يؤدي إلى الديموقراطية الليبرالية، وبكل من هذه الحجج بعض العيوب. فأما الأولى فحجة وظيفية تقول إن الديموقراطية وحدها هي القادرة على التوفيق بين المصالح المتعارضة المعقدة الناجمة عن طبيعة الاقتصاد الحديث، وكان أقوى أصحاب هذه الحجة تالكوت بارسونس الذي آمن بأن الديموقراطية هي الصورة التي تتطور صوبها كافة مجتمعات العالم. يقول بارسونس:

، إن الدليل الأساسي على أن العالم كله يتطور صوب الديموقراطية هو أنه بازدياد حجم المجتمع وتعقيداته، تزداد أهمية التوصل إلى تنظيم سياسي فعال، لا من حيث صلاحياته الادارية وحدها، وإنما أيضا (وهو ما لا يقل عن ذلك في الأهمية) في مجال مساندة نظام للشرعية العالمية، والواقع أنه ليس بوسع نظام يختلف في جوهره عن النظام الديموقراطي أن يوفق بين ممارسات الأفراد والجماعات للسلطة، والوصول إلى قرارات سياسية تلزم الكافة، (13) .

وبعبارة أخرى، فإن بارسونس يرى أن الديموقراطيات هي المؤهلة أكثر من غيرها للتعامل مع جماعات المصالح التي تتكاثر سريعا نتيجة للتصنيع. ففي ظل التصنيع تظهر فئات اجتماعية جديدة كل الجدة: طبقة عاملة يتزايد التمايز بين أفرادها باختلاف تخصصاتها الصناعية والحرفية، وطبقات جديدة من الإداريين لا تتفق مصالحها بالضرورة مع مصالح الإداريين القياديين، والبيروقراطيون الحكوميون على المستويات القومية والإقليمية والمحلية، وحشود من المهاجرين من الخارج، (سواء بصورة شرعية أو غير شرعية) ، يسعون إلى الاستفادة من أسواق العمل المفتوحة في الدول المتقدمة. وتمضي الحجة قائلة إنه في مثل هذا الإطار تثبت كفاءة الديموقراطية، لأنها أكثر مرونة، ولأن وضع معايير عالمية ومفتوحة للمشاركة في النظام الديموقراطي يسمح للفئات الاجتماعية والمصالح الجديدة بالتعبير عن نفسها ويتيح الفرصة للوصول إلى إجماع سياسي، نعم بوسع الديكتاتوريات أن تلائم نفسها مع الأوضاع المتغيرة، بل وأن تتصرف في بعض الأحيان بسرعة أكبر من سرعة الديموقراطيات، كما فعلت حكومة عصر الميجي في اليابان بعد عام 1898. غير أن التاريخ حافل بأمثلة أخرى عديدة لصفوة حاكمة ضيقة جاهلة بالتغيرات الاجتماعية التي تحدث على مرأى ومسمع منها نتيجة للتطور الاقتصادي، كأصحاب الأراضي في بروسيا والأرجنتين.

والديموقراطية وفق هذا الرأي أكثر فعالية من الديكتاتورية لأن الكثير من الصراعات بين الفئات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت