الصفحة 218 من 376

الاجتماعية المتنامية ينبغي أن يحل إما في إطار النظام القضائي، أو (في نهاية المطاف) في إطار النظام السياسي (14) . فالسوق وحدها لا يمكنها تحديد المستوى والموقع المناسبين للاستثمار العام في البنية الأساسية، أو تحديد قواعد الفصل في المنازعات العمالية، أو لوائح استخدام الطائرات واللوريات، أو معايير الصحة والأمان المهنيين. فكل من هذه المسائل محكومة إلى حد ما بالقيم وينبغي حلها في الإطار السياسي، ومتى كان على هذا النظام أن يقضى بين هذه المصالح المتنازعة على نحو عادل تقبله كافة الأطراف في المجال الاقتصادي، فعليه أن يأخذ بالديموقراطية. نعم، إن بوسع النظام الديكتاتوري أن يحل مثل هذه الصراعات باسم الفعالية الاقتصادية، غير أن سلاسة الأداء في الاقتصاد الحديث رهن بقبول العناصر الكثيرة المتشابكة في المجتمع للعمل معا. فإن أبت هذه العناصر أن تعترف بشرعية الحكم أو القاضي، ولم يكن لديها ثقة في النظام، فلن يقوم التعاون الإيجابي النشيط اللازم لانتظام سريان العمل في سهولة ويسر في النظام ككل (19) .

فإن اخترنا موضوعا حيويا في عصرنا، وهو البيئة، فسيكون مثلا لبيان كيف أن الديموقراطية هي أصلح من غيرها وأكفأ بالنسبة للدول المتقدمة. ذلك أنه من بين أبرز آثار التصنيع المتقدم المستويات المرتفعة لتلوث البيئة وما يترتب على ذلك من أضرار. وهو ما يسميه الاقتصاديون و التأثيرات الخارجية، أي التكلفة المفروضة على أطراف ثالثة ولا تؤثر تأثيرا مباشرة في الصناعات المحدثة للأضرار بالبيئة. فالبرغم من نظريات عديدة تلقي بالمسؤولية عن الأضرار البيئية إما على الرأسمالية أو على الاشتراكية، فإن التجربة توضح أنه لا الرأسمالية ولا الاشتراكية بريئة من التهمة. فكل من الشركات الخاصة والمصانع والوزارات الاشتراكية يركز على النمو أو حجم الإنتاج، ويسعى إلى تجنب تحمل تكلفة و التأثيرات الخارجية،، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا (19) . بيد أنه حيث إن الناس لا يرغبون في النمو الاقتصادي وحده و إنما يريدون كذلك بيئة آمنة لهم ولأطفالهم، فسيكون من مسؤولية الدولة أن توفق بين الاعتبارين، وأن توزع عبء تكاليف حماية البيئة على الجميع، فلا يكون العبء أثقل على قطاع معين منه على غيره.

والواقع أن السجل الفظيع للعالم الشيوعي في هذا المقام - أي البيئة. يوحي بأن الديموقراطية، لا الرأسمالية ولا الاشتراكية، هي أكثر وسائل حماية البيئة كفاءة. فالنظم السياسية الديموقراطية بوجه عام هي التي تحركت بعد نمو الإحساس بالخطر على البيئة في الستينيات والسبعينيات، وكان نحركها على نحو أسرع مما تحركت به النظم الديكتاتورية. ذلك أنه بدون نظام سياسي بسمح للمجتمعات المحلية بالاحتجاج على وجود مصنع كيميائي يسرب عادا ساما في قلب تلك المجتمعات، ويدون حرية قيام تنظيمات للرقابة ترصد سلوك الشركات والمصانع، وبدون زعامة سياسية قومية على درجة من الحساسية تجعلها مستعدة لتخصيص موارد ضخمة لحماية البيئة، يمكن أن تواجه الأمم كوارث على غرار كارثة تشيرنوبيل، أو تجفيف بحر آرال، أو ضخامة معدل وفيات الأطفال في كراكاو الذي يبلغ أربعة أضعاف معدله القومى المرتفع بالفعل في بولندا، أو وصول معدل حالات الإجهاض إلى 70 في المائة في بوهيميا الغربية (17) , فالديموقراطيات إذن تتيح فرص الاشتراك و العلم بردود الفعل. وبدون العلم بردود الفعل ستظل الحكومات دوما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت