الصفحة 220 من 376

محابية للمشروع الضخم الذي يزيد بصورة كبيرة من الثروة القومية، دون المصالح بعيدة الأمد الجماعات متفرقة من أفراد المواطنين.

وأما الحجة الثانية التي تفسر كيف أن النمو الاقتصادي يؤدي إلى الديموقراطية فمتصلة بميل الديكتاتوربات أو نظام الحزب الواحد إلى التحلل بمضي الزمن، والتحلل بسرعة أكبر حين تواجهه مهمة إدارة مجتمع متقدم تكنولوجيا، فقد تحكم الأنظمة الثورية بصورة فعالة خلال سنواتها الأولى بفضل ما أسماه ماكس فيبر بسلطة الزعامة الملهمة. غير أنه باختفاء مؤسسي النظام من المسرح، فليس ثمة ما يضمن أن يكون خلفاؤهم على ما كانوا عليه من موهبة سلطوية، أو حتى أن تتوافر فيهم أدنى درجة من الكفاءة في حكم البلاد. ذلك أن بوسع الديكتاتوريات المعمرة أن تتكشف عن شخصيات ذات تصرفات متطرفة بالغة الغرابة، كإصرار الرئيس الروماني السابق نيكولاي شاوشيسكو على إنتاج ثريات قوتها أربعون ألف وأت، في الوقت الذي كانت الدولة فيه تقطع تيار الكهرباء بانتظام من أجل توفير الطاقة. وكثيرا ماتنشأ صراعات مدمرة على السلطة بين خلفاء وأتباع مؤسسي النظام، فينجحوا في مراقبة بعضهم البعض لا في حكم البلاد بصورة فعالة. أما البديل عن الصراع الدائب على السلطة و الديكتاتورية التحكمية، فهو وضع ترتيبات روتينية مقننة الاختيار القادة الجدد والسياسات الحكيمة، وفي هذه الحالة يمكن إزاحة أصحاب السياسات السيئة دون هدم النظام بأسره (18) .

وثمة صورة مقابلة لهذه الفرضية تنطبق على الديكتاتوريات اليمينية في مراحل انتقالها إلى الديموقراطية , فالديموقراطية تظهر نتيجة اتفاقات أو حلول وسط تصل إليها جماعات الصفوة (أي الجيش والتكنوقراط و البورجوازية الصناعية) حين ينتابها الانهاك أو الإحباط أو الإحساس بتعذر تحقيق المطامح بسبب ما يخلقه المنافسون في وجهها من عقبات، فتقبل الانفاق أو وضع ترتيبات المقاسمة السلطة باعتبارها أفضل الحلول البديلة (19) . ففي ظل النظام الشيوعي اليساري إذن، كما

في ظل النظام الديكتاتوري اليميني، تنشأ الديموقراطية لا عن رغبة فيها و إنما كنتيجة جانبية الصراع الصفوة على السلطة.

أما الحجة الأخيرة، وهي الأقوى، التي تقرن التقدم الاقتصادي بالديموقراطية الليبرالية، فتذهب إلى أن التصنيع الناجح يخلق مجتمعات للطبقة الوسطى تطالب بالمساهمة في الحياة السياسية وبالمساواة في الحقوق، وبالرغم من التفاوت الكبير في توزيع الدخول، مما نلمسه في الأطوار الأولى من التصنيع، فإن التقدم الاقتصادي يتزع في النهاية إلى تحقيق مساواة واسعة النطاق، حيث إنه يخلق طلبا عظيما على قوة عاملة كبيرة متعلمة. وتجنح مثل هذه المساواة بالناس صوب معارضة الأنظمة السياسية التي لا تحترم تلك المساواة أو لا تسمح للشعب بالمساهمة السياسية على أساس متكافيء.

وتظهر مجتمعات الطبقة المتوسطة نتيجة للتوسع في التعليم العام. فالصلة بين التعليم والديموقراطية الليبرالية قد لمسها الكثيرون، ويبدو أن لها الأهمية الكبرى (20) . ذلك أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت