الصفحة 222 من 376

المجتمعات الصناعية تتطلب أعداد غفيرة من العمال المتعلمين ذوي المهارات العالية، ومن المديرين والفنيين والمثقفين، ولذا فإنه حتى في أشد الأنظمة ديكتاتورية، لا يمكن تجنب الحاجة إلى تعليم الجماهير و إلى فتح أبواب التعليم العالي و المتخصص متى ما كان التقدم الاقتصادي هدفا للنظام. إذ لا يمكن لمثل هذه المجتمعات أن تعيش دون مؤسسة تعليمية ضخمة ومتخصصة. بل إنه في العالم المتقدم يتحدد المركز الاجتماعي للفرد إلى حد كبير على ضوء مستوى تعليمه (21) . فالتباين الطبقي في الولايات المتحدة اليوم مثلا راجع أساسا إلى التباين في مستوى التعليم، وليس ثمة عقبات كثيرة تحول دون ترقي الشخص جيد التعليم. وما عدم المساواة في النظام إلا نتيجة عدم تكافؤ فرص نيل التعليم اللائق الذي يؤدي الافتقار إليه إلى أن يصبح المرء مواطنا من الدرجة الثانية.

وتأثير التعليم في المواقف السياسية تأثير معقد. غير أن ثمة أسبابا تدعو إلى الاعتقاد بأن التعليم يخلق الظروف اللازمة للمجتمع الديموقراطي. فالهدف المعلن للتعليم الحديث هو، تحرير والناس من التعصب والأشكال التقليدية للسلطة. ويقال إن المثقفين لا يمكنهم إطاعة السلطة طاعة عمياء، بل يتعلمون كيف يفكرون لأنفسهم. وحتى لو لم يحدث هذا على نطاق جماهيري، فالبوسع على الأقل تعليم الناس أن يروا مصلحتهم الخاصة بوضوح أكبر، وعلى مدى أطول. كذلك فإن التعليم يجعل الناس يطالبون أنفسهم، ويطالبون لأنفسهم بالمزيد. وبعبارة أخرى، فإنهم يكتسبون إحساسا بالكرامة، ويريدون أن تحترم الدولة، وأن يحترم غيرهم من المواطنين هذا الإحساس. ذلك أنه في المجتمع الريفي التقليدي يمكن للمالك المحلي (أو للمسؤول الشيوعي) أن يجند الفلاحين ليقتلوا فلاحين آخرين ويستولوا على أراضيهم. وهم إنما يفعلون ذلك لا لأن ذلك يخدم مصلحتهم، وإنما لأنهم معتادون على إطاعة السلطة. أما المهنيون الحضريون في الدول المتقدمة فقد يمكن إقناعهم بقضايا سخيفة حمقاء كنظام تغذية بالسوائل أو عدو الماراثون، غير أنهم لن يتطوعوا للخدمة في جيوش أفراد أو كتائب إعدام لمجرد أن شخصا في بزة عسكرية يأمرهم بذلك.

ويمكن أن تذهب حجة مماثلة إلى القول بأن الصفوة العلمية التقنية اللازمة لإدارة الاقتصادات الصناعية الحديثة لابد من أنها ستطالب في وقت من الأوقات بليبرالية سياسية أوسع مدى بالنظر إلى أن البحث العلمي لا يمكن أن يتقدم إلا في جو من الحرية و التبادل المفتوح للاراء. وقد رأينا انفا كيف أن ظهور صفوة تكنوقراطية عريضة في الاتحاد السوفييتي والصين خلق ميلا معينا إلى نظام السوق وتحرير الاقتصاد اللذين هما أكثر تمشيا مع معايير الرشد الاقتصادي. والحجة هنا تمتد لتشمل الميدان السياسي، فالتقدم العلمي لا يتوقف فقط على حرية البحث العلمي، وإنما يتوقف أيضا على مجتمع ونظام سياسي مفتوحين للتحاور الحر والمشاركة الحرة (22) .

هذه إذن هي الحجج التي يمكن سوقها للربط بين المستويات العالية من التقدم الاقتصادي والديموقراطية الليبرالية. إذ لا يمكن إنكار وجود علاقة تجريبية و بين الأمرين. غير أنه ما من حجة من هذه الحجج كافية لإيضاح الارتباط السيبي الواجب.

فالحجة التي نسبناها إلى تالکوت پارسونس و القائلة بأن الديموقراطية الليبرالية هي النظام الاقدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت