الصفحة 224 من 376

على حل الصراعات على أساس من الاتفاق في مجتمع حديث معقد، صحيحة إلى قدر محدود. فالعالمية و الشكلية اللتان تميزان حكم القانون في الديموقراطيات الليبرالية تهيئان أرضية ممهدة يمكن للناس أن يتنافسوا فيما بينهم عليها وأن يعقدوا التحالفات ثم يقدموا التنازلات. غير أن الديموقراطية الليبرالية ليست بالضرورة أصلح نظام سياسي لحل الصراعات الاجتماعية. فقدرة الديموقراطية على حل الصراعات حلا سلما تكون في أقوى حالاتها حين تكون هذه الصراعات بين ما يسمى اجماعات مصالح، متفقة فيما بينها سلفا على القيم الأساسية أو قواعد اللعبة، وحين تكون الصراعات في طبيعتها اقتصادية في المقام الأول. غير أن ثمة أنواعا أخرى من الصراعات غير الاقتصادية أصعب بكثير، وهي المتصلة بمسائل مثل المركز الاجتماعي الموروث أو الجنسية، مما لا يسهل على الديموقراطية حلها حلا مرضيا.

فأما عن نجاح الديموقراطية الأمريكية في حل الصراعات بين مختلف جماعات المصالح في شعبها الدينامي متنوع الجذور العرقية، فلا يعني أن الديموقراطية ستنجح أيضا في حل الصراعات في المجتمعات الأخرى، فالتجربة الأمريكية فريدة في ضوء ما ذكره توكفيل من أن الأمريكيين

يولدون متساوين في الحقوق (23) . ذلك أنه بالرغم من تنوع الخلفيات والدول والأجناس للأمريكيين الأوائل، فإنهم بقدومهم إلى أمريكا تخلوا عن كل ذلك إلى حد كبير واندمجوا في مجتمع جديد خال من الطبقات الاجتماعية المتميزة والانقسامات العرقية والقومية، وقد كانت البنية الاجتماعية والعرقية الأمريكية مرنة لدرجة حالت دون قيام طبقات اجتماعية متصلبة، وفروع قوميات ذات شأن، وأقليات على أساس اللغة (24) . ولذا فإنه نادرا ما تواجه الديموقراطية الأمريكية من المشكلات الاجتماعية العويصة مثل ما تواجهه المجتمعات الأخرى الأقدم تاريخا.

بل إنه حتى الديموقراطية الأمريكية لم تنجح تماما في حل مشكلتها العرفية الأشد إلحاحا من مشكلاتها الأخرى، ألا وهي مشكلة السود الأمريكيين. فاسترقاق السود كان الاستثناء الأكبر من القاعدة العامة القائلة بأن الأمريكيين ا يولدون متساوين في الحقوق .. ولم يكن في وسع الديموقراطية الأمريكية أن تحل مشكلة الرق بالوسائل الديموقراطية. فبعد زمن طويل من إلغاء الرق ومن ضمان المساواة القانونية الكاملة للسود الأمريكيين، نجد الكثيرين منهم مازالوا إلى اليوم خارج التيار الرئيسي للحضارة الأمريكية. وبالنظر إلى الطابع الحضاري الغالب على هذه المشكلة، سواء بالنسبة للسود أو البيض، فإنه ليس من الواضح ما إذ كان بوسع الديموقراطية الأمريكية حقا أن تنهض باللازم من أجل استيعاب السود في المجتمع بصورة كاملة، والانتقال من المساواة الشكلية في الفرص إلى المساواة الأوسع مدى في الظروف والأحوال.

قد تكون الديموقراطية الليبرالية فعالة في مجتمع حقق بالفعل درجة عالية من المساواة الاجتماعية والاتفاق حول قيم أساسية معينة. غير أنه فيما يتعلق بالمجتمعات المنقسمة على نفسها على أسس من الطبقات الاجتماعية أو الجنسيات أو الدين، قد لا ينجم عن الديموقراطية غير الشلل والركود. وأبرز مثل للانقسام هو الصراع الطبقي في البلاد ذات البنية الطبقية شديدة التمايز والتفاوت کامتداد لما ورثته عن نظام اجتماعي إقطاعي. كذا كان الوضع في فرنسا وقت الثورة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت