الصفحة 226 من 376

وكذا هو الوضع حتى الآن في دول العالم الثالث مثل الفلبين وبيرو. فالمجتمع هنا تتحكم فيه صفوة تقليدية، هي عادة من كبار الملاك الزراعيين، ممن لا يطيقون الطبقات الأخرى أو رجال التجارة والصناعة الاكفاء، وما إقامة ديموقراطية صورية في مثل تلك الدول غير قناع يخفي وراءه التفاوت في الثروة والمكانة والقوة مما يمكن لهذه الصفوة استغلاله في التحكم في العملية الديموقراطية. وهنا تنجم أوضاع اجتماعية سقيمة مثل ما تؤدي إليه هيمنة الطبقات الاجتماعية القديمة من ظهور معارضة يسارية في ضراوة تلك الطبقات، تؤمن بأن النظام الديموقراطي نفسه نظام فاسد ينبغي تحطيمه جنبا إلى جنب الفئات الاجتماعية التي تحميه , فالديموقراطية التي تحمي مصالح طبقة من الملاك الزراعيين المرفهين غير الأكفاء وتولد حربا أهلية اجتماعية لا يمكن وصفها بالكفاءة حسب المعايير الاقتصادية (20) .

كذا فإنه ليس من السهل على الديموقراطية حل النزاعات بين الأعراق والطوائف الوطنية المختلفة. ذلك أن مسألة السيادة القومية لا يمكن، بحكم طبيعتها، السماح بالمساومة عليها. فهي إما أن تكون لشعب معين أو لآخر، للأرمن أو الأزربيجانيين، للتوانيين أو الروس، وحين تتصارع جماعات مختلفة فالراجح ألا يكون ثمة سبيل إلى الفصل في الصراع بالوصول إلى حل وسط سلمى ديموقراطي شأن الحال في المنازعات الاقتصادية. فالاتحاد السوفييتي لم يكن بوسعه أن يصبح ديموقراطيا دون تفرق جمهورياته، وذلك بالنظر إلى عدم الاتفاق بين قوميات الاتحاد السوفييتي على وجود جنسية وهوية مشتركتين تجمع بينها. وليس بوسع الديموقراطية أن تنهض إلا على أساس من تقسيم الدولة إلى وحدات قومية أصغر، وقد نجحت الديموقراطية الأمريكية نجاحا باهرا في تصديها لتنوع الأعراق في الولايات المتحدة. غير أن هذا التنوع حصر داخل

حدود معينة، ذلك أن ما من جماعة عرقية أمريكية تمثل مجتمعا تاريخيا يعيش في بلده ويتكلم بلغته وتتعلق ذاكرته بقوميته وسيادته السالفتين.

ابوسع الديكتاتورية الملتزمة بالتحديث أن تكون - من حيث المبدأ. أكثر فعالية من الديموقراطية بكثير في خلق الظروف الاجتماعية التي تسمح بالنمو الاقتصادي الرأسمالي، ثم مع الوقت، بظهور ديموقراطية مستقرة. ولنأخذ مثلا حالة الفلبين. فالمجتمع الفلبيني لا يزال حتى اليوم يحمل سمات عدم المساواة في ريفه حيث يهيمن عدد صغير من العائلات التقليدية المالكة للأرض على نسبة مرتفعة جدا من مجموع الأراضي الزراعية في البلاد، والطبقات العليا المالكة للأرض في الفلبين - كما في غيرها من الدول. لا تتميز بالدينامية والكفاءة. ومع ذلك فإن وضعها الاجتماعي مكنها من الهيمنة على سياسة الفلبين بعد استقلالها. وقد نجم عن استمرار هذه الهيمنة لتلك الطبقة الاجتماعية ظهور حركة ماوية الطابع من حركات حرب العصابات القليلة الباقية في جنوب شرفي اسيا، وهي الحزب الشيوعي الفلبيني وجناحه العسكري، الجيش الشعبي الجديد. ولم يتمخض عن سقوط ديكتاتورية مارکوس وتولى كورازون أكينو محله عام 1986 حلول لا لمشكلة توزيع الأرض ولا لحركات التمرد، وذلك لأسباب ليس أقلها شأنة أن عائلة مسز أكينو هي من بين أكبر ملاك الأراضي في الفلبين، وقد فشلت الجهود التي تلت انتخابها من أجل تطبيق برنامج إصلاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت