زراعي جدى بسبب معارضة الجمعية التشريعية التي يسيطر عليها أولئك الذين سيطر البرنامج بمصالحهم. ومن ثم فإن الديموقراطية في هذه الحالة تضحي عاجزة عن إقامة نظام اجتماعي تسوده المساواة اللازمة لنمو الرأسمالية والاستقرار طويل الأمد للديموقراطية ذاتها (29) . وفي مثل تلك الظروف يمكن للديكتاتورية أن تصبح أكثر فعالية في تحقيقها للمجتمع الحديث، تماما كما في زمن الاحتلال الأمريكي لليابان حين استخدمت السلطة الديكتاتورية في تحقيق الإصلاح الزراعى.
وثمة جهد إصلاحي مماثل نهض به الضباط اليساريون الذين حكموا بيرو في السنوات ما بين 1998 و 1980. فقبل الانقلاب العسكري كان نصف أراضي بيرو يملكها سبعمائة من أصحاب الضياع الشاسعة المتحكمين أيضا في معظم شؤون السياسية، وقد نفذ العسكريون إصلاخا زراعيا كاسحا لا يفوقه في أمريكا اللاتينية غير الإصلاح الزراعي في كوبا، فأحلوا محل طبقة الملاك القديمة صفوة جديدة أكثر اتساما بالحداثة من الصناعيين والبيروقراطيين الفنيين، وسهلوا تحقيق ذلك النمو المذهل للطبقة المتوسطة عن طريق النهوض بمستوى التعليم (27) ، صحيح أن هذه الفترة من الحكم الديكتاتوري أثقلت كاهل بيرو بقطاع عام أكبر حجما وأقل كفاءة حتى من سابقه (28) ، غير أنها نجحت في استئصال شأفة عدد من أبشع مظاهر عدم المساواة فحنت بذلك من فرص ظهور قطاع اقتصادي حديث وذلك بعد أن عاد العسكريون إلى ثكنائهم عام 1980.
وليس اليسار اللبنيني وحده هو الذي يستخدم سلطان الدولة من أجل التحرر من قبضة الفئات الاجتماعية التقليدية. فالأنظمة اليمينية أيضا تستخدمه لتمهيد الطريق أمام قيام اقتصادات السوق فتحقق بالتالي مستويات رفيعة جدا من التصنيع. ذلك أن الرأسمالية تنتعش أكثر ما تنتعش في مجتمع يتمتع بالحراك والمساواة، حيث أمكن لأفراد الطبقة المتوسطة من رجال الصناعة والتجارة أن يتخلصوا من الملاك الزراعيين التقليديين وغيرهم من أصحاب الامتيازات من الفئات الاجتماعية التي لا تتمتع بكفاءة اقتصادية، فإن استخدم نظام ديكتاتوري يريد تحديث البلاد أساليب العنف من أجل الإسراع بعملية التحديث، متجنبة في الوقت ذاته الاستسلام لإغراء نقل الموارد والسلطة من طبقة الملاك الزراعيين التقليديين غير الاكفاء إلى قطاع عام يفتقر هو الآخر إلى الكفاءة، فليس ثمة ما يدعو إلى الظن بأنه سيتعارض (من الناحية الاقتصادية) مع أحدث صور التنظيم الاقتصادي في عصر اما بعد الصناعة، وهذا المنطق هو الذي دفع آندرانيك ميجرانيان و غيره من المفكرين السوفييت إلى الدعوة إلى ا مرحلة انتقالية ديكتاتورية والتحويل الاتحاد السوفييتي إلى اقتصاد السوق، عن طريق خلق هيئة رئاسية قومية ذات سلطات مطلقة (29) .
ويمكن التخفيف من حدة الانقسامات الاجتماعية الحادة القائمة على أسس طبقية أو قومية أو عرقية أو دينية عن طريق التنمية الاقتصادية الرأسمالية نفسها، وهو ما يزيد من فرص ظهور اتفاق ديموقراطي عام بمضي الوقت. غير أنه ليس هناك ما يضمن أن تزول هذه الخلافات خلال نمو اقتصاد الدولة، أو ألا تعود إلى الظهور في صورة أشد عنفا. فالتنمية الاقتصادية لم تضعف من الإحساس بالهوية القومية لدى الكنديين الفرنسيين في كوبيك، بل إن خشيتهم من الذوبان في الثقافة الإنجليزية المهيمنة قد زادت من رغبتهم في الحفاظ على هذه الهوية المتميزة، والقول بأن