الاعتراف على أساس عام، بحيث يعترف الجميع بكرامة كل امرئ باعتباره إنسانا حرة ومستقلا ذاتية. وليس المهم عندنا حين نختار العيش في ظل ديموقراطية ليبرالية، هو مجرد أنها تتيح لنا حرية كسب المال وإشباع جوانب الشهوة في نفوسنا. فالأهم من ذلك والأجدر بإرضائنا في النهاية ما تتيحه هذه الديموقراطية من الاعتراف بكرامتنا، فالحياة في ظل الديموقراطية الليبرالية هي الطريق إلى الوفرة المادية الكبيرة، غير أنها تهدينا أيضا إلى السبيل المؤدية إلى هدف غير مادي بالمرة، هو الاعتراف بحريتنا. والدولة الديموقراطية الليبرالية تقيمنا على هدى إحساسنا بقيمتنا الذاتية. وهكذا يتوافر إشباع كل من القوة الشهوانية والثيموسية.
ويعالج الاعتراف العام ذلك النقص الخطير في الاعتراف القائم في مجتمعات الرق بأشكالها المختلفة. فكل المجتمعات تقريبا السابقة على الثورة الفرنسية كانت إما ملكية أو ارستوقراطية، لا يعترف فيها إلا بشخص واحد (الملك) ، أو بأشخاص قليلين (الطبقة الحاكمة أو الصفوة) . وكان إرضاء حاجتهم إلى الاعتراف على حساب الجماهير الغفيرة من الرعية التي لم يعترف بإنسانيتها في مقابل اعترافها بالسادة. ولا يمكن أن يتفق الاعتراف والمنطق إلا إن كان الأول قائمة على أساس العموم والمساواة، وقد وفرت الدولة التي وفقت بين أخلاقيات السيد وأخلاقيات العبد الحل الناجع للتناقض الداخلي في العلاقة بين السيد والعبد. فقد ألغي التمييز بين السادة والعبيد، وأضحى عبيد الماضي سادة الحاضر الجدد، ليسوا سادة لعبيد آخرين، بل سادة أنفسهم. وهذا هو معني عبارة، روح عام 1774: لا انتصار جماعة جديدة من السادة، ولا بزوغ إحساس جديد من العبودية، بل تحقيق السيادة للذات في صورة حكومة ديموقراطية. وقد احتفظ الناتج الجديد ببعض عناصر السيادة والعبودية على السواء: وهي إشباع الرغبة في الاعتراف عند السيد، وعمل العبد.
وبوسعنا أن نفهم على نحو أفضل عقلانية الاعتراف العام لو أننا قارنا بينها وبين الصور الأخرى غير العقلانية للاعتراف. وعلى سبيل المثال فإن الدولة الوطنية التي تقصر المواطنة فيها على أفراد جماعة وطنية أو عرقية أو جنسية معينة، توفر اعترافا لا عقلانية. فالوطنية هي مظهر من مظاهر الرغبة في نيل الاعتراف ناجمة عن الثيموس. والوطني مشغول بصفة أساسية لا بالكسب المادي وإنما بالاعتراف والكرامة (3) . وليست الوطنية بالخاصية الطبيعية، فالمرء لا يتمتع بجنسية إلا حين يعترف آخرون بتمتعه بها (3) . غير أن الاعتراف الذي يريده المرء ليس الاعتراف به كفرد وإنما هو الاعتراف بجماعة هو عضو فيها. وتعتبر الوطنية إلى حد ما تحويلا الميجالوثيميا العصور السالفة إلى صورة أكثر حداثة وديموقراطية. وبدلا من أمراء أفراد يسعون وراء المجد الشخصي، لدينا الآن أمم بأسرها تطالب بالاعتراف بقوميتها. هذه الأمم - شأن السيد الأرستوقراطي - أثبتت استعدادها للمخاطرة بالحياة في سبيل الاعتراف و الصول إلى «مكان تحت الشمس ..
غير أن الرغبة في الاعتراف القائمة على أساس من الوطنية أو العرق ليست رغبة عقلانية. إن التمييز بين الإنساني وغير الإنساني تمييز عقلاني: فالبشر وحدهم هم الأحرار، بمعنى أنهم