الصفحة 356 من 376

قادرون على الصراع من أجل نيل الاعتراف في معركة من أجل المنزلة الخالصة. ويقوم هذا التمييز على أساس من الطبيعة، أو على أساس فصل جوهري بين ملكوت الطبيعة وملكوت الحرية، ومن جهة أخرى، نجد أن التمييز بين جماعة وأخرى من البشر هو ناتج جانبي و عرضي وتحكمي للتاريخ الإنساني، ويؤدي الصراع بين الجماعات القومية من أجل الاعتراف بالكرامة الوطنية على نطاق دولى، إلى نفس المأزق الذي تؤدي إليه المعركة من أجل المنزلة بين السادة الأرستوقراطيين، فتصبح أمة ما سيدة وأخرى عبدا، إن جاز هذا القول، والاعتراف الذي تناله إحداهما، هو اعتراف معيب النفس الأسباب التي كانت العلاقة الأصلية بين السيد والعيد بسببها غير مرضية لأيهما.

أما الدولة الليبرالية فدولة عقلانية لأنها تحقق مصالحة بين هذه المطالبات المتنافسة بالاعتراف، وذلك على الأساس الوحيد المقبول من الجميع، وهو هوية الفرد باعتباره كائنا بشريا. ومن الواجب أن تكون الدولة الليبرالية عامة، أي أن توفر الاعتراف لجميع المواطنين لأنهم بشر، لا باعتبارهم أعضاء في جماعة وطنية أو عرقية أو جنسية معينة , كما ينبغي أن تكون متجانسة فتخلق مجتمعة لا طبقات فيه يقوم على أساس إلغاء الفوارق بين السادة والعبيد، ويزداد وضوح عقلانية هذه الدولة العامة والمتجانسة منى أدركنا أنها تقوم على أساس من المبادئ الصريحة المعلنة، كتلك التي تبناها المؤتمر الدستوري الذي أدى إلى قيام الجمهورية الأمريكية. ذلك أن سلطة الدولة لا تنشأ عن تقاليد قديمة أو من أعماق العقيدة الدينية الدامسية، وإنما نتيجة مناقشة عامة يتفق مواطنو الدولة خلالها على الشروط الواضحة التي سيعيشون معأ بمقتضاها. فهي إذن تمثل صورة من الوعى العقلاني بالذات حيث أدرك الآدميون في المجتمع لأول مرة طبيعتهم الحقة، وكان بوسعهم تكييف الجماعة السياسية لتتفق مع هذه الطبيعة.

والآن، كيف يمكننا القول بأن الديموقراطية الليبرالية الحديثة و تعترف: بكافة الآدميين بصفة عامة؟

هي تعترف بهم بمنحهم حقوقهم وحمايتها. فأي طفل يولد على أرض الولايات المتحدة أو فرنسا أو أي من الدول الليبرالية الأخرى، يولد وله حقوق معينة في المواطنة , وليس من حق أحد أن يلحق الأذى بحياة ذلك الطفل سواء كان غنيا أو فقيرة، أسود أو أبيض، وإلا قدم للمحاكمة بمقتضي نظام العدالة الجنائي، وسيكون للطفل بمضي الوقت حق الملكية الذي تحترمه الدولة وسائر المواطنين. وسيكون له حق الخيارات الثيموسية، (أي اعتناق الآراء الخاصة بالقيمة والقدر) بشأن أي موضوع يخطر في ذهنه، وحق نشر وبث هذه الأراء على أوسع نطاق ممكن. ويمكن أن تتخذ هذه الآراء الثيموسية صورة المعتقد الديني الذي بوسعه أن يمارسه بحرية كاملة، وأخيرا، فإنه حين يبلغ هذا الطفل سن الرشد، سيكون من حقه المشاركة في نفس الحكومة التي أرست دعائم هذه الحقوق، والمساهمة في المداولات حول أعلى وأهم قضايا السياسة العامة، ويمكن أن تتخذ هذه المشاركة صورة التصويت في الانتخابات الدورية، أو صورة أكثر فعالية وهي المشاركة في العملية السياسية مباشرة، كترشيح نفسه لمنصب معين، أو كتابة المقالات الافتتاحية تأييدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت