الشخص أو موقف، أو الخدمة في بيروقراطية القطاع العام. فالحكم الذاتي الشعبي يلغي الفوارق بين السادة والعبيد، ويعطى لكل فرد الحق في جانب على الأقل من دور السيد. أما السيادة فتأخذ الآن صورة إصدار القوانين على أساس ديموقراطي، أي وضع قواعد عامة تعين المرء على التحكم في نفسه تحكمة واعية، ويغدو الاعتراف متبادلأ حين تعترف كل من الدولة والشعب بالطرف الأخر، أي حين تمنح الدولة لمواطنيها الحقوق وحين يوافق المواطنون على الالتزام بقوانين الدولة. وتنشأ القيود الوحيدة على هذه الحقوق، حين تضحي الحقوق متناقضة ذاتيا، أي حين تتعارض ممارسة حق معين مع ممارسة حق اخر.
هذا الوصف للدولة الهيجيلية شبيه بوصف لوك للدولة الليبرالية التي يعرفها أيضا بأنها نظام يحمي مجموعة من حقوق الفرد، وقد يعترض متخصص في فلسفة هيجل من فوره قائلا أن هيجل كان معارضا لمفهوم لوك والأنجلوسكسونيين لليبرالية، ولاشك في أنه كان سيرفض فكرة أن النظام القائم على أساس أفكار لوك في الولايات المتحدة أو إنجلترا يمثل المرحلة الختامية من التاريخ. وسيكون هذا المتخصص بالطبع محقا إلى حد ما. فما كان هيجل بالذي يوافق على رأي ليبراليين معينين آخذين بالتقليد الأنجلوساكسوني، وهم الذين يمثلهم الان اليمين الليبرالي الذي يرى أن هدف الحكومة الوحيد هو تجنب الوقوف في طريق الأفراد، وأن حرية الأفراد في خدمة مصالحهم الأنانية الخاصة هي حرية مطلقة. ولاشك أنه كان سيرفض صورة الليبرالية التي لا ترى في الحقوق السياسية غير وسيلة يلجأ الناس إليها لحماية حياتهم وأموالهم، أو بتعبير معاصر، حماية وأسلوب حياتهم الشخصي ..
ومن جهة أخرى أشار كوجيف إلى حقيقة هامة حين أكد أن أمريكا بعد الحرب أو الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هي تجسيد لفكرة هيجل عن الدولة التي يسودها الاعتراف العام. فبالرغم من أن الديموقراطيات الأنجلوسكسونية قامت على أساس صريح من أفكار لوك، فإن فهمها لذاتها لم يكن أبدأ نابعة عن هذه الأفكار بصورة تامة. فقد رأينا مثلا كيف راعي ماديسون وهاملتون في: الفيدرالي، الجانب الثيموسي من الطبيعة البشرية، وكيف رأى ماديسون أن من بين أهداف الحكومة النيابية تهيئة منفذ للناس للتنفيس عن آرائهم الثيموسية والانفعالية. وحين يتحدث الناس في أمريكا المعاصرة عن مجتمعهم وشكل حكومتهم، فإنهم كثيرا ما يستخدمون لغة هي أقرب إلى الغة هيجل منها إلى لغة لوك. فخلال فترة الحريات المدنية مثلا كان من المألوف أن يقول الناس إن الهدف من هذا الجزء أو ذاك من تشريعات الحقوق المدنية هو الاعتراف بكرامة السود، أو الوفاء بوعد إعلان الاستقلال والدستور بالسماح لكافة الأمريكيين بالعيش متمتعين بالكرامة والحرية. ولم يكن المرء في حاجة إلى دراسة أعمال هيجل حتى يدرك قوة هذه الحجة التي كانت جزءا من حديث أضعف الناس تعليمة وأقل المواطنين شأنا. (نلاحظ أن دستور جمهورية ألمانيا الاتحادية يشير إشارة صريحة إلى الكرامة الإنسانية) . كذلك فإن حق التصويت في الولايات المتحدة و غيرها من الدول الديموقراطية، الذي منح أولا لمن ليست لديه الممتلكات المطلوبة، ثم للسود وغيرهم من أفراد الأقليات العرقية أو الجنسية الأخرى، وأخيرا للنساء، لم ينظر إليه أبدا