الصفحة 360 من 376

على أنه مسألة اقتصادية بحتة (بمعنى أن حق التصويت يسمح لهذه الجماعات بحماية مصالحها الاقتصادية) ، وإنما كان ينظر إليه باعتباره رمزا لقيمتهم وللمساواة، وأنه هدف في حد ذاته. فإن كان الآباء المؤسسون الأمريكيون لم يستخدموا كلمتي و الاعتراف و و و الكرامة، فإن ذلك لم يحل دون تحول اللغة المستخدمة عند لوك للتعبير عن الحقوق إلى اللغة الهيجيلية في التعبير عن الاعتراف بصورة متدرجة ودون جهد ملحوظ.

وعلى ذلك فإنه يمكن النظر إلى الدولة العامة والمتجانسة التي ستظهر في نهاية التاريخ باعتبارها قائمة على أساسين: الاقتصاد والاعتراف. فالمسار التاريخي الإنساني الذي يؤدي إلى تلك الدولة كان يدفعه إلى الأمام محركان متساويان: الازدهار المستمر في العلوم الطبيعية الحديثة، والسعي إلى نيل الاعتراف، فأما الأول فنابع من القوة الشهوانية للنفس التي تحررت في أوائل العصر الحديث واتجهت إلى تكوين الثروات بلا حدود بفضل تحالف الرغبة والعقل، وذلك بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين الرأسمالية و العلوم الطبيعية الحديثة , أما الصراع من أجل نيل الاعتراف فنجم

عن. الثيموس،، ودفعته حقيقة العبودية إلى الأمام، إذ كان هذا الوضع مناقضة لمفهوم العيد عن السيادة في عالم أفراده جميعا أحرار ومتساوون أمام الله. ولا يمكن لأي وصف للمسار التاريخي (أي التاريخ العام الحق للبشرية) أن يكون كاملا دون الحديث عن هذين الأساسين، تماما كما أن أي وصف للشخصية الإنسانية هو غير كامل ما لم يتحدث عن الرغبة والعقل والثيموس. أما الماركسية، أو نظرية الحداثة، أو أي نظرية أخرى في التاريخ تقوم أساسا على الاقتصاد فهي غير كاملة بالمرة ما لم تراع الجانب الثيموسي من الروح، وما لم تأخذ في اعتبارها الصراع من أجل نيل الاعتراف باعتباره محركا رئيسية للتاريخ.

قد بلغنا الآن وضعا يمكننا من أن نوضح بصورة أو في تلك العلاقة المتبادلة بين الاقتصاد الليبرالي والديموقراطية الليبرالية، وأن نبين تلك الدرجة العالية من الارتباط بين التصنيع المتقدم والديموقراطية الليبرالية. وقد سبق أن ذكرنا أنه ليس ثمة أساس منطقي اقتصادي تستند الديموقراطية إليه. بل إن السياسات الديموقراطية في واقع الحال عبء على الكفاءة الاقتصادية، ولذا فإن اختيار الديموقراطية اختيار قائم بذاته، هو من أجل تحقيق الاعتراف لا من أجل إشباع الرغبات.

غير أن التنمية الاقتصادية تخلق ظروف معينة تزيد من احتمالات تبني هذا الخيار القائم بذاته. ويحدث هذا السببين، الأول: أن التنمية الاقتصادية توضح للعبد مفهوم السيادة إذ يكتشف قدرته على الهيمنة على الطبيعة بفضل التكنولوجيا، وأن يتحكم في ذاته أيضا بفضل العمل المنظم والتعليم، فإذ يرتقى التعليم في المجتمعات، تتاح الفرصة للعبيد أن يكونوا أكثر وعيا لحقيقة كونهم عبيدا فيتطلعون إلى أن يصبحوا سادة، وأن يستوعبوا أفكار العبيد الآخرين الذين فكروا طويلا في وضعهم وعبوديتهم. وهم يدركون بفضل التعليم أنهم بشر ذوو كرامة، وأن من واجبهم الجهاد من أجل اعتراف الغير بهذه الكرامة. وليس من قبيل المصادفة أن يعني التعليم الحديث بغرس فكرتي الحرية والمساواة، فهما من أيديولوجيات العبيد الناجمة كرد فعل للوضع الذي وجد العبيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت