الصفحة 248 من 376

العمياء، على أن يتحقق ذلك بأقل جهد ممكن وفي ظل أنسب الظروف الطبيعة البشرية و أجدرها بها، ومع ذلك، فإن الأمر لن يتعدى مجال الضرورة. أما خارجه، فتبدأ تنمية الطاقة البشرية التي هي غاية في حد ذاتها، وهي ملكوت الحرية الحقيقي الذي لا يمكن مع ذلك أن يزدهر إلا باتخاذه مجال الضرورة أساسأ له. والشرط الرئيسي لهذا هو تقصير ساعات العمل و (1) .

والواقع أن ملكوت الحرية الماركسي هو في خفض ساعات العمل اليومي إلى أربع ساعات، أي أن يزيد الانتاج في المجتمع زيادة تجعل عمل الإنسان في الصباح قادرا على إشباع كل احتياجاته الطبيعية واحتياجات عائلته، وتبقى للإنسان في العصر والمساء حرية أن يكون صياذا، أو شاعرا، أو ناقدا، أو ما شاء. وقد تمكنت مجتمعات شيوعية كالاتحاد السوفييتي وجمهورية ألمانيا الديموقراطية السابقة، بوجه من الوجوه من تحقيق ملكوت الحرية هذا، حيث كان قليلون هم الذين يبذلون جهدا أميئا في عملهم اليومي تزيد مدته على أربع ساعات. غير أنهم لم يقضوا بقية ساعات يومهم إلا نادرا في كتابة الأشعار والنقد، حيث أن مثل هذا النشاط كان كفيلا بأن يؤدي بهم إلى السجن، بل كانوا يقضون ساعات فراغهم ينتظرون في طوابير، أو يشربون الخمر، أو يتأمرون من أجل ضمان قضاء عطلة في مصحة مكتظة بالرواد على شاطئ ملوث. غير أنه إذا كانت مدة العمل الضرورية و اللازمة لإشباع الاحتياجات المادية الأساسية هي أربع ساعات في المتوسط بالنسبة لعمال المجتمعات الاشتراكية، فهي ساعة أو ساعتان بالنسبة للمجتمعات الرأسمالية التي لا تدخل حصيلة الساعات الست أو السبع من: فائض العمل، التي تكمل اليوم في جيوب الرأسماليين، وإنما في جيوب العمال فتسمح لهم بشراء سيارات و غسالات ومعدات شواء اللحم وخيام الرحلات، وسواء كان هذا هو ملكوت الحرية أم لا، فلا شك في أن العامل الأمريكي قد قطع شوطا أبعد مما قطعه زميله السوفييتي في سبيل التحرر من مجال الضرورة.

صحيح أن الإحصاءات الخاصة بإنتاجية العامل الواحد لا علاقة حتمية بينها وبين السعادة. وكما ذهب ماركس فإن الاحتياجات المادية تزداد مع زيادة الإنتاجية، مما يجعل من الضروري أن نتساءل عن نمط المجتمع الذي يوازن على نحو أفضل من غيره بين القدرات الإنتاجية وبين الاحتياجات، وذلك من أجل معرفة أي المجتمعات يجعل عماله أكثر رضا بحالهم. ومن المفارقات أن نجد المجتمعات الشيوعية وقد اتسع فيها أفق الاحتياجات شأنه في المجتمعات الاستهلاكية الغربية دون تحقيق الوسائل الكفيلة بإشباعها. وقد اعتدنا أن نسمع إريك هونيكر يقول إن مستوى المعيشة في الجمهورية الألمانية الديموقراطية، أعلى بكثير مما كان عليه أيام القيصر، بل وأعلى منه في معظم مجتمعات التاريخ الإنساني، وحقق إشباعا لاحتياجات الإنسان و الطبيعية و هو أضعاف الإشباع في الماضي، غير أن هذا القول لا طائل وراءه. فشعب ألمانيا الشرقية لم يكن يقارن نفسه بشعب ألمانيا وقت القيصر، بل بشعب ألمانيا الغربية المعاصرة، فإذا هو يجد مجتمعه دونه.

فإن كان الإنسان في جوهره حيوانأ اقتصاديا تتحكم فيه الرغبة والعقل، فإن المسار الجدلي للتطور التاريخي هو مسار متماثل بدرجة كبيرة بالنسبة لمختلف المجتمعات والثقافات البشرية. وهذه هي النتيجة التي توصلت إليها، نظرية التحديث، التي استعارت من الماركسية تلك النظرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت