الاقتصادية إلى القوى المتحكمة في عملية التحول التاريخي، وقد بدت نظرية التحديث عام 1990 أكثر جانبية مما كانت عليه قبل خمسة عشر عاما أو عشرين حين هاجمتها الدوائر الأكاديمية هجومأ عنيفا. فمعظم الدول التي نجحت في تحقيق تنمية اقتصادية عالية الدرجة، غدت الآن متماثلة وتزداد أوجه الشبه فيما بينها. ورغم توفر أساليب متنوعة يمكن أن تتبناها الدول للوصول إلى نهاية التاريخ، فليس ثمة ما هو أنجح في مجال الحداثة من الأسلوب الديموقراطي الليبرالي الرأسمالي (2) . وهو اتجاه تتبناه الآن الدول الآخذة بالتحديث من أسبانيا والبرتغال إلى الاتحاد السوفييتي والصين، إلى تايوان وكوريا الجنوبية.
بيد أن نظرية التحديث. كسائر النظريات الاقتصادية في مجال التاريخ. غير كافية تماما , فهي صحيحة بقدر ما يكون الإنسان كائنا اقتصاديا تتحكم فيه مقتضيات النمو الاقتصادي والمنطق الصناعي، وتكمن قوتها التي لا يمكن إنكارها في حقيقة أن البشر. خاصة في حال تجمعهم - يتصرفون بالفعل خلال الشطر الأكبر من حياتهم بتأثير مثل هذه البواعث. غير أن ثمة مظاهر أخرى للبواعث البشرية لا صلة لها بالاقتصاد. وهنا نجد جذور فترات الانقطاع في التاريخ، وأغلب الحروب بين البشر، والانفجار الفجائي للعواطف الدينية أو القومية أو الأيديولوجية التي تأتي بأمثال هتلر والخميني. ومن اللازم أن يكون أي تاريخ عالمي حقيقي قادرا على تفسير الانقطاعات والاتجاهات غير المتوقعة إلى جانب تفسيره لاتجاهات التطور العريضة والمتراكمة.
ويتضح من المناقشة السالفة أنه ليس بوسعنا تفسير ظاهرة الديموقراطية تفسيرا مقنعا لو أثنا اقتصرنا على الجانب الاقتصادي وحده. فالتفسير الاقتصادي للتاريخ يقودنا إلى أبواب أرض الديموقراطية الليبرالية الموعودة دون أن نجتازها. فقد تؤدي عملية التحديث الاقتصادي إلى تغييرات اجتماعية واسعة النطاق، كتحويل المجتمعات القبلية والزراعية إلى مجتمعات حضرية متعلمة من الطبقة الوسطى، فتخلق بذلك الظروف المادية اللازمة للديموقراطية. غير أن هذه العملية لا تفسر الديموقراطية ذاتها. ذلك أننا لو ألقينا نظرة أعمق على هذا المسار، لوجدنا أن الديموقراطية لا يختارها الناس. في أغلب الأحيان. الأسباب اقتصادية. فأولى الثورات الديموقراطية الكبرى - وهما الثورتان الأمريكية و الفرنسية. قامتا وقت بزوغ فجر الثورة الصناعية في انجلترا، وقبل تحديث الاقتصاد في الولايات المتحدة أو فرنسا، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون احتضانهما لمبادي، حقوق الإنسان متأثرا بعملية التصنيع. ربما كان الأباء المؤسسون الأمريكيون قد أغضبتهم محاولات التاج البريطاني فرض الضرائب عليهم دون تمثيلهم في البرلمان. غير أن فرارهم إعلان الاستقلال ومحاربة بريطانيا من أجل إقامة نظام ديموقراطي جديد لا يمكن تفسيره بأنه كان يسعى إلى كفاءة اقتصادية. لقد كان اختيار الرخاء دون الحرية اختيارة معروفة في ذلك الوقت كما صار معروفا في تاريخ الحقب التالية، وهو ما تبناه أصحاب المزارع المحافظون الذين
عارضوا إعلان الاستقلال في الولايات المتحدة، وكذا دعاة التحديث الديكتاتوريون في ألمانيا واليابان في القرن التاسع عشر، ومعاصرون من أمثال دينج هسياو بنج الذي عرض على بلاده الليبرالية الاقتصادية والتحديث في ظل وصاية مستمرة للحزب الشيوعي الديكتاتوري، ولي کوان يو في سنغافورة الذي ذهب إلى أن الديموقراطية ستكون عقبة في سبيل النجاح الاقتصادي الباهر