في سنغافورة. غير أن الناس في كافة العصور كانوا يتصرفون على نحو غير اقتصادي، حين كانوا يخاطرون بحياتهم ومصدر رزقهم في جهادهم من أجل الحقوق الديموقراطية. ذلك أنه ليس ثمة ديموقراطية بدون ديموقراطيين، أي بدون إنسان ديموقراطي يرغب في الديموقراطية ويكيفها في الوقت الذي تكيفه الديموقراطية فيه.
كذلك فإنه لا يمكن لأي تاريخ عالمي يكتب على ضوء الازدهار المطرد للعلوم الطبيعية الحديثة، أن يفسر غير القرون الأربعة الأخيرة من تاريخ الإنسانية، بدءا باكتشاف المنهاج العلمي في القرنين السادس عشر والسابع عشر. غير أنه لا المنهاج العلمي ولا تحرير الرغبة الانسانية التي حفزت الجهود من أجل تقليل الطبيعة وتطويعها لأغراض الإنسان، يرجع الفضل فيهما إلى كتابات ديكارت أو بيكون. فعلى التاريخ العالمي الكامل حتى لو اتخذ من العلوم الطبيعية الحديثة أساسا له، أن يبسط جذور العلم قبل العصر الحديث، وجذور الرغبة الكامنة وراء رغبة الإنسان الاقتصادي.
وتوحي هذه الاعتبارات بأننا لم نقطع بعد شوطا كبيرا في محاولتنا فهم أساس الثورة الليبرالية الراهنة التي تعم العالم، أو أساس أي تاريخ عالمي يشكل خلفية هذه الثورة. إن العالم الاقتصادي الحديث هو بناء ضخم مهيب يملك الشطر الأعظم من حياتنا في قبضته الحديدية. غير أن المسار الذي اتخذه ليس متاخما لمسار التاريخ نفسه، ولا هو بالكافي لإعلامنا بما إذا كنا قد وصلنا إلى نهاية التاريخ. وأفضل لنا أن نعتمد في هذا المجال، لا على ماركس وتراث علم الاجتماع الذي تمخض عن نظرته الاقتصادية للتاريخ، وإنما على ملفه , المثالي، هيجل الذي كان أول فيلسوف يستجيب لتحدي كانط فيكتب تاريخا عالميا. ذلك أن فهم هيجل لالية المسار التاريخي هو أعمق بكثير من فهم ماركس أو فهم أي من علماء الاجتماع المعاصرين. وقد ذهب هيجل إلى أن المحرك الرئيسي لتاريخ البشر ليس هو العلوم الطبيعية الحديثة أو النمو المطرد في الرغبات الذي يدفع بهذه العلوم إلى الأمام، وإنما هو حافز غير اقتصادي بالمرة، أسماه بالسعي من أجل نيل الاعتراف والتقدير. والتاريخ العالمي الذي كتبه هيجل يعتبر مكملا للالية التي شرحناها، غير أنه يمكننا أيضا من أن نفهم الإنسان بمعنى أوسع: أن نفهم و الإنسان من حيث هو إنسان،، ويتيح لنا أن نفهم الانقطاعات، والحروب، والانفجارات المفاجئة للاعقلانية خلال المجرى الهاديء للنمو الاقتصادي، التي ميزت التاريخ البشري.
والعودة إلى هيجل لازمة أيضا لأنها توفر الإطار لفهم ما إذا كان بوسع مسار التاريخ الإنساني أن يستمر إلى الأبد، أم أننا قد وصلنا في حقيقة الأمر إلى نهاية التاريخ. ولتكن نقطة البداية في تحليلنا هذا قبول الأطروحة الهيجلية الماركسية القائلة بأن مسار التاريخ كان مسارا دياليكتيكيا، أو مسارا من التناقضات، مؤجلين التعرض لمسألة ما إذا كان للدياليكتيكية أساس مثالي أو مادي. ذلك أن شكلا معينة من أشكال التنظيم السياسي الاجتماعي يظهر في بقعة ما من الأرض، لكنه يحوي تناقضا داخليا يؤدي مع الوقت إلى زعزعة التنظيم وإقامة تنظيم آخر مكانه مختلف عنه، وأكثر نجاحا منه، ويمكن عرض مشكلة نهاية التاريخ على النحو التالي: هل ثمة أية. تناقضات،