في النظام الاجتماعى الديموقراطي الليبرالي المعاصر يمكننا أن نتوقع معها استمرار المسار التاريخي حتى يسفر عن نظام جديد آرقي منه؟ بوسعنا أن نلمح و تناقضا، مني رأينا مصدرا للسخط الاجتماعي هو من القوة بحيث يمكن أن يتسبب في انهيار المجتمعات الديموقراطية الليبرالية، أو انهيار النظام، إن شئنا استخدام لغة الستينيات. فليس كافيا أن نشير إلى و مشکلات، في الديموقراطيات الليبرالية المعاصرة، حتى لو كانت مشكلات هامة مثل العجز في الميزانية، أو التضخم، أو الجريمة، أو المخدرات. فالمشكلة لا تتحول إلى تناقض إلا إذا كانت من الخطورة بحيث لا يمكن حلها في إطار النظام القائم، وبحيث تزعزع من شرعية النظام نفسه فينهار النظام تحت وطأتها. وعلى سبيل المثال، نرى أن فقر البروليتاريا المطرد في المجتمعات الرأسمالية لم يكن في نظر مارکس مجرد، مشكلة،، بل كان و تناقضا، حيث إنه يؤدي إلى وضع ثوري يعصف ببناء المجتمع الرأسمالي كله ويحل محله بناء أخر. وعلى العكس من ذلك، يمكننا أن نذهب إلى أن التاريخ قد وصل إلى نهايته إن كان شكل التنظيم الاجتماعي والسياسي الراهن مرضيا تماما للبشر بخصائصهم الجوهرية.
ولكن كيف يمكننا أن نعرف إن كان ثمة متناقضات باقية في نظامنا الراهن؟ بوسعنا النظر إلى هذه المشكلة على نحوين، الأول: أن نراقب المسار الفعلي للتطور التاريخي حتى نرى ما إذا كان هناك نمط ملموس للتاريخ يوضح تفوق شكل معين من المجتمع على الأشكال الأخرى. فكما أن الاقتصادي في يومنا هذا لا يحاول تعريف فائدة السلعة أو قيمتها في حد ذاتها، وإنما يقبل تقييم السوق لها في صورة و السعر و، فعلينا أن نقبل حكم السوق على تاريخ العالم. يمكننا أن ننظر إلى التاريخ الإنساني باعتباره حوارا أو تنافسة بين أنظمة أو أشكال مختلفة للتنظيم الاجتماعي. فالمجتمعات و يفتد، كل منها الآخر في هذا الحوار حتى ينتصر واحد منها على الجميع ببقائه مدة أطول، وقد يتحقق ذلك النصر في بعض الحالات عن طريق الفتوحات الحربية، وفي حالات أخرى بفضل تفوق نظام الاقتصادي، وأحيانا بفضل القدر الأوفي من الانسجام السياسي الداخلي (3) . فإن تطورت المجتمعات البشرية عبر القرون صوب شكل مفرد من أشكال التنظيم السياسي الاجتماعي (كالديموقراطية الليبرالية) ، ولم تكن هناك بدائل صالحة أخرى للديموقراطية الليبرالية، ولم تعبر الشعوب التي تعيش في ظل الديموقراطيات الليبرالية عن سخط قوي على حياتها، يمكننا إذن القول بأن الحوار قد وصل إلى خاتمة حاسمة، وسيكون على الفيلسوف التاريخي أن يقبل مزاعم الديموقراطية الليبرالية بأنها الأفضل والغاية النهائية. وبعبارة أخرى فإن تاريخ العالم هو الفيصل في مضمار الحق (4) .
ولا يعني هذا أن أصحاب هذا الاتجاه يعبدون القوة والنجاح على أساس شعار أن القوة تصنع الحق. إذ ليس علينا أن نقر استبداد أي طاغية أو فاتح حربي يظهر على مسرح التاريخ لحظة ثم يمضي، وإنما علينا أن نقر النظام الذي يحتفظ بحيويته طوال مسار تاريخ العالم كله، حيث إن هذا يعني قدرته على حل مشكلة رضا البشر التي كانت قائمة في التاريخ الإنساني منذ البداية، وقدرته على البقاء وعلى مسايرة بيئة الإنسان المتغيرة (5) .